يعرف أنها منزل من منازل السائرين إلى الله عز وجل، وهي كرباط (1) بني على قارعة الطريق، أعد فيها العلف والزاد وأسباب السفر. فمن تزود منها لآخرته واقتصر منها على قدر الضرورة التي ذكرناها في المطعم والملبس والمنكح وسائر الضرورات، فقد حرث وبذر، وسيحصد في الآخرة ما زرع. ومن عرج عليها واشتغل بلذاتها هلك. ومثل الخلق فيها كمثل قوم ركبوا سفينة فانتهت بهم إلى جزيرة، فأمرهم الملاّح بالخروج لقضاء الحاجة، وخوّفهم المقام واستعجال السفينة فتفرقوا فيها، فبادر بعضهم وقضى حاجته ورجع إلى السفينة فوجد مكانا خاليا واسعا، ووقف بعضهم فنظر في أزهار الجزيرة وأنوارها وظرائف أحجارها وعجائب غياضها ونغمات طيورها، فرجع إلى السفينة فلم يجد إلا مكانا ضيقا حرجا، وأكبّ بعضهم على تلك الأصداف والأحجار وأعجبه حسنها فلم تسمح نفسه إلا بأن يستصحب شيئا منها، فلم يجد في السفينة إلا مكانا ضيقا. وزادته الحجارة ثقلا وضيقا، فلم يقدر على رميها ولم يجد لها مكانا، فحملها على عنقه وهو ينوء بأعبائها. وتولج بعضهم الغياض ونسي المركب واشتغل بالتفرج في تلك الأزهار والتناول من تلك الثمار وهو في تفرجه غير خال من خوف السباع والحذر من السقطات والنكبات، فلما رجع إلى السفينة لم يصادفها فبقي على الساحل، فافترسته السباع ومزقته الهوامّ. فهذه صورة أهل الدنيا بالإضافة إلى الدنيا والآخرة، فتأملها واستخرج وجه الموازنة فيها إن كنت ذا بصيرة.
من عرف نفسه، وعرف ربه، وعرف زينة الدنيا وعرف الآخرة، شاهد بنور البصيرة وجه عداوة الدنيا للآخرة، إذ ينكشف له قطعا أن لا سعادة في الآخرة إلا لمن قدم على الله سبحانه عارفا به محبّا له؛ فإن المحبة لا تناله إلا بدوام الذّكر، وإن المعرفة لا تنال إلا بدوام الطلب والفكر، ولا يتفرغ لهما إلا من أعرض عن أشغال الدنيا. ولا تستولي المعرفة والحب على القلب ما لم يفرغ من حب غير الله تعالى؛ ففراغ القلب عن غير الله ضرورة اشتغاله بحب الله تعالى ومعرفته. ولن يتصور ذلك إلا لمعرض عن الدنيا، قانع منها بقدر الزاد والضرورة. فإن كنت من أهل البصيرة فقد صرت من أهل الذوق والمشاهدة؛ وإن لم تكن كذلك، فكن من أهل التقليد والإيمان، وانظر إلى
(1) الرباط: المكان الذي تربط فيه الخيل، أو هو الحصن.