فهرس الكتاب

الصفحة 93 من 189

و آخره جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة، ويفهم قوله تعالى: {قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ، ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ، ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ} [عبس:17 - 21] ، فليعلم أنه خلق من كتم (1) العدم، وأنه لم يك شيئا مذكورا؛ فلا شيء أقل من العدم. ثم خلقه من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ليس له سمع ولا بصر ولا حياة ولا قوة. وخلق له ذلك كله وهو بعد غاية النقصان تستولي عليه الأمراض والعلل، ويتضاد فيه الطبائع، فيهدم بعضها بعضا، فيمرض كرها ويجوع كرها، ويعطش كرها، ويريد أن يعلم الشيء فيجهله، ويريد أن ينسى الشيء فيذكره، ويكره الشيء فينفعه، ويشتهي الشيء فيضره، لا يأمن في لحظة من أن يختلس روحه أو عقله أو صحته أو عضو من أعضائه، ثم آخره الموت والتعرض للعقاب والحساب. فإن كان من أهل النار فالخنزير خير منه، فمن أين يليق به الكبر وهو عبد مملوك ذليل لا يقدر على شيء. قال الحسن البصري - رحمة الله عليه - لبعض من يتبختر في مشيته: «ما هذه المشية لمن في بطنه خراء» ، فكيف يليق الكبر بمن يغسل العذرة بيده مرتين في كل يوم، وهو حامل لها على الدوام؟

[فصل في علاج الكبر على التفصيل]

علاج الكبر على التفصيل بالنظر إلى ما به التكبر، وهو أربع خصال:

الأولى العلم:

قال صلى الله عليه وسلم: «آفة العلم الخيلاء» . وقال - عليه السلام: «لا تكونوا من جبابرة العلماء، فلا يفي علمكم بجهلكم» . وقلّ ما يخلو العالم من آفة الكبر، فإنه يرى نفسه فوق الناس بالعلم الذي هو أشرف فضيلة عند الله عزّ وجل، فيتكبّر تارة بالدّين بأن يرى نفسه عند الله عز وجل أفضل من غيره، وتارة في الدنيا بأن يرى حقّه واجبا على الناس، ويتعجب منهم إن لم يتواضعوا له، وهذا لأن يسمّى جاهلا أولى، لأنّ العلم الحقيقيّ ما يعرف به ربه ونفسه وخطر خاتمته وحجة الله عز وجل عليه، ويلاحظ الخاتمة فلا يرى جاهلا إلا ويقول: إنه عصى الله تعالى بجهل، وأنا عصيته بعلم، فحجة الله تعالى علي آكد. قال أبو الدرداء - رضي الله عنه: من ازداد علما ازداد تواضعا. قال الله تعالى

(1) كتم: سرّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت