فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 189

و الحذر من الإفراط والرفاهية، فذلك خطر عظيم. وليس في التقليل إلا مشقة قليلة في أيام قلائل؛ وذو الحزم لا يثقل عليه أن يجوع نفسه لوليمة الفردوس، لعلمه أن اللذة على قدر الجوع.

لعلك ترغب في معرفة حدّ البخل، إذ الشخص الواحد قد تشك في أنه بخيل أم لا، ويختلف الناس فيه. فاعلم أن حدّ البخل منع ما يوجبه الشرع أو المروءة. ولا تظن أن من سلّم إلى زوجته وقريبه ما فرضه القاضي، وضايق وراء ذلك في لقمة، فليس ببخيل، وأن من رد الخبز واللحم إلى الخباز والقصاب لنقصان قدر منه يسير ليس ببخيل، وإن كان له ذلك في الشرع، فإن معنى الشرع في هذه الأمور قطع خصومة البخلاء بتقدير مقدار يطيقه البخيل؛ ولذلك قال الله تعالى: {إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا} [محمد:37] . بل لا بدّ من مراعاة المروءة ودفع قبح الأحدوثة، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص وقدر المال. ومن له مال وأمكنه أن يقطع هجو شاعر وذمه عن نفسه بقدر يسير فلم يفعله، فهو بخيل، وإن لم يكن ذلك واجبا عليه، إذ قال صلى الله عليه وسلم: «ما وقى المرء به عرضه فهو له صدقة» . والتحقيق فيه أن المال خلق لفائدة لأجلها يمسك، وفي بذله أيضا فائدة. فمهما ظهر له أن فائدة البذل أعظم من فائدة الإمساك، ثم شق عليه البذل فهو بخيل محب للمال. والمال لا ينبغي أن يحبّ لذاته بل لفائدته، فيصرف إلى أقوى فائدة. وحفظ المروءة أفضل وأقوى من التنعم بالأكل الكثير مثلا. وقد يحمله البخل وحبّ المال على أن يجهل أقوى الفائدتين وأولاهما وذلك غاية البخل. فإن علم وعسر عليه البذل فهو بخيل أيضا، وإن بذل تكلّفا؛ بل إنما يبرأ من البخل بأن لا يثقل عليه بذل المال فيما ينبغي أن يبذل فيه عقلا وشرعا. وأما درجة السخاء، فلا تنال إلا ببذل ما يزيد على واجب الشرع والمروءة جميعا.

[فصل في معرفة علاج البخل]

لعلك تريد أن تفهم علاج البخل. فاعلم أن دواءه معجون مركّب من العلم والعمل. أما العلم فهو أن تعلم ما في البخل من الهلاك في دار الآخرة، والمذمة في الدنيا، وتعلم أن المال لا يتبعه - إن بقي - إلى قبره؛ وإنما المال لله تعالى، مكّنه منه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت