فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 189

يحتاج فيه إلى تكلف، وترتبط بها فوائد أخرى، فيكون مشاهدا بلاء الله تعالى على الدوام.

الخامسة: وهي من كبار الفوائد - كسر شهوات المعاصي، والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء، وكسر سائر الشهوات التي هي منابع المعاصي؛ قال عليّ - رضي الله عنه - «ما شبعت قط إلا عصيت أو هممت بالمعصية» . وقالت عائشة - رضي الله عنها - «أول بدعة حدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشبع، إن القوم إذا شبعت بطونهم، جمحت بهم نفوسهم إلى الدنيا» .

السادسة: خفة البدن للتهجد والعبادة وزوال النوم المانع من العبادة؛ فإن رأس مال السعادة العمر، والنوم ينقص العمر إذ يمنع من العبادة وأصله كثرة الأكل. قال أبو سليمان الدارانيّ: «من شبع دخل عليه ست آفات: فقد حلاوة العبادة، وتعذّر حفظ الحكمة، وحرمان الشفقة على الخلق؛ لأنه إذا شبع ظن أن الخلق كلهم شباعا، وثقل العبادة، وزيادة الشهوات، وأن سائر المؤمنين يدورون حول المساجد وهو يدور حول المزابل» .

السابعة: خفة المئونة، وإمكان القناعة بقليل من الدنيا، وإمكان إيثار الفقر، فإن من تخلص من شره بطنه لم يفتقر إلى مال كثير، فيسقط عنه هموم الدنيا؛ فمهما أراد أن يستقرض لقضاء شهوة البطن، استقرض من نفسه، وترك شهوته. كان إذا قيل لإبراهيم بن أدهم - رحمة الله عليه - في شيء إنه غال، قال: «أرخصوه بالترك» .

لعلك تقول: قد صار الشبع والإكثار في الأكل عادة، فكيف أتركها؟ فاعلم أن ذلك يسهل على من أراده بالتدريج؛ وهو أن ينقص كل يوم من طعامه لقمة، حتى ينقص رغيفا في مقدار شهر، فلا يظهر أثره، ويصير التقليل عادته. ثم إذا أذعنت بالتقليل، فلك النظر في الوقت والقدر والجنس؛ أما القدر، فله ثلاث درجات: أعلاها - وهي درجة الصديقين: الاقتصار على قدر القوام، وهو الذي يخاف النقصان منه على العقل أو الحياة، وهو اختيار سهل التستريّ، وكان يرى أن الصلاة قاعدا لضعفه بالجوع، أفضل من الصلاة قائما مع قوة الأكل. الثانية: أن تقنع بنصف مدّ كل يوم وهو ثلث

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت