فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 189

البطن، وعلى ذلك كانت عادة عمر - رضي الله عنه - وجماعة من الصحابة، إذ كان قوتهم في الأسبوع صاعا من شعير. الثالثة: المدّ الواحد وما جاوز ذلك، فهو مشاركة مع أهل العادة، وميل عن طريق السالكين المسافرين إلى الله تعالى.

وقد يؤثّر في المقادير اختلاف الأحوال والأشخاص، وعند ذلك فالأصل فيه أن يمدّ اليد إذا صدق جوعه، ويكفّ وهو بعد صادق الاشتهاء. وعلامة صدق الجوع أن تشتهي أيّ خبز كان من غير أدم (1) ، فإذا استثقل الأكل بغير أدم، فهو علامة الشبع.

وأما الوقت، ففيه أيضا ثلاث درجات: أعلاها أن يطوى ثلاثة أيام فما فوقها، فقد كان الصدّيق - رضي الله عنه - يطوى (2) ستة أيام، وإبراهيم بن أدهم والثوري سبعا، وبعضهم انتهى إلى أربعين يوما. وقيل من طوى أربعين يوما ظهرت له لا محالة أشياء من عجائب الملكوت، ولا يمكن ذلك إلا بالتدريج. وأما الأوسط بأن يطوى يومين، والأدنى بأن يأكل في اليوم مرة واحدة، فمن أكل مرتين لم تكن له حالة جوع أصلا، فيكون قد ترك فضيلة الجوع.

وأما الجنس، فأعلاه خبز البرّ (3) مع الإدام، وأدناه خبز الشعير بلا إدام. والمداومة على الإدام مكروه جدا؛ قال عمر - رضي الله عنه - لولده: كلّ مرة خبزا ولحما، ومرة خبزا وسمنا، ومرة خبزا ولبنا، ومرة خبزا وملحا، ومرة خبزا قفارا (4) . فهذا تنبيه على الأحسن في أهل العادة. وأما السالكون الطريق، فقد بالغوا في ترك الإدام، بل في ترك الشهوات جملة، حتى كان بعضهم يشتهي الشهوة عشر سنين وعشرين سنة، وهو يخالف نفسه ويمنعها شهواتها. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «شرار أمتي الذين غذّوا بالنعيم ونبتت عليه أجسامهم، وإنما همتهم ألوان الطعام وأنواع اللباس ويتشدقون في الكلام» . وقد شرحنا طريق السلف في ترك الشهوات في كتاب كسر الشهوتين.

(1) أدم: ما يؤتدم به.

(2) يطوى: يجوع.

(3) خبز البر: خبز القمح.

(4) قفار: غير مأدوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت