فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 189

لله فهو مخلص، ولكن خصص الاسم بأحد الجانبين بالعادة، كالإلحاد، فإنه ميل، ولكن خصص بالميل إلى الباطل. وزوال الإخلاص بشوائب الرياء قد ذكرناه، ولكن قد يزول أيضا بأغراض أخر؛ فإن الصائم قد يقصد من العبادة أن ينتفع بالحمية الصالحة الحاصلة بالصوم، وقد يقصد المعتق أن يتخلّص بالعتق من مئونة العبد وسوء خلقه، والحاجّ يحجّ ليصحّ مزاجه بحركة السفر، أو يهرب من مشقة تعهد العيال، أو من إيذاء الأعداء، أو من التبرم (1) بالمقام مع الأهل، والمتعلم يتعلم العلم ليسهل عليه طلب المعاش، أو يكون محروسا بعز العلم عن الظلم، أو يكتب مصحفا ليجوّد خطّه، أو يحج ماشيا ليخفف مئونة الكراء، أو يتوضأ ليتنظف أو يتبرّد، أو يغتسل لتطيب رائحته، أو يعتكف ليخفف عليه كراء المسكن، أو يصوم ليخفف عن نفسه تعب الطّبخ وشراء الطعام، أو يتصدق ليدفع عن نفسه إبرام السائل، أو يعود مريضا ليعاد إذا مرض. فهذه الأغراض قد يتجرد منها وقد يشوب قصد العبادة شوبا خفيّا، فإذا خطر شيء من هذه الأغراض في الفعل، فقد ذهب الإخلاص، وذلك عسير جدا، ولذلك قال بعضهم: في إخلاص ساعة، نجاة الأبد، ولكن ذلك عزيز. وقال أبو سليمان الداراني: طوبى لمن صحت له خطوة واحدة لا يريد بها إلا الله عز وجل. وكان معروف الكرخي يضرب نفسه ويقول: يا نفسي أخلصي تتخلّصي.

اعلم أن امتزاج هذه الشّوائب على مراتب، فإنها قد تغلب وقد تكون مغمورة، وقد تكون مساوية لقصد العبادة، ولا تمحو أصل الثواب في المباحات. ومهما بقي شوب من إرادة الله عز وجل، فله ثواب بقدر ذلك الشوب، والباقي لا ثواب عليه. فأما إذا كان في العبادة أمر بأن يخلصها الله تعالى، فإن كان الشوب غالبا بطلت العبادة، وإن كان مساويا أو مغلوبا بطل الإخلاص. ولكن هل يتوقف انعقاد العبادة وحصول أصلها على انتفاء الشوائب كلها؟ فيه نظر أشرنا إليه في الرياء. ويطلب استقصاؤه من كتاب الإحياء.

الركن الثالث الصدق: وهو كمال الإخلاص؛ قال الله تعالى: رِجالٌ صَدَقُوا ما

(1) التبرم من برم مثل ضجر ضجرا وزنا ومعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت