إحداهما: كسره بالرياضة؛ ولست أعني بكسره إماطته (1) ، فإنه لا يزول أصله ولا ينبغي أن يزول، بل إن زال وجب تحصيله، لأنه آلة القتال مع الكفار، والمنع من المنكرات وكثير من الخيرات (2) . وهو ككلب الصائد، إنما رياضته في تأديبه حتى ينقاد للعقل والشرع فيهيج بإشارة العقل والشرع، ويسكن بإشارتهما ولا يخالفهما، كما ينقاد الكلب للصياد. وهذا ممكن بالمجاهدة، وهو اعتياد الحلم والاحتمال مع التعرض للمغضبات.
الثانية: ضبط الغضب عند الهيجان بالكظم. ويعين عليه علم وعمل؛ أما العلم، فهو أن يعلم أنه لا سبب لغضبه إلا أنه أنكر أن يجري الشيء على مراد الله لا على مراده، وهذا غاية الجهل. والآخر أن يعلم أن غضب الله عليه أعظم من غضبه عليه، وأن فضل الله أكبر. وكم عصاه وخالف أمره! فلم يغضب عليه إن خالفه غيره؟ فليس أمره عليه ألزم على عبده وأهله ورفقته من أمر الله عليه. وأما العمل، فهو أن يقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» ، إذ يعلم أن ذلك من الشيطان؛ فإن لم يسكن، جلس إن كان قائما، ويضطجع إن كان قاعدا، وكذلك ورد الخبر باختلاف الحال أنه يؤثر في التسكين، وإن لم يسكن فيتوضأ؛ قال عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ» ، وقال عليه السلام: «ألا إن الغضب جمرة في قلب ابن آدم، ألا ترون إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه؟ فمن وجد من ذلك شيئا فليضرب خدّه بالأرض» . وهذه إشارة إلى تمكين أعز الأعضاء من أذلّ المواضع، لينكسر الكبر، فإنه السبب الأعظم في الغضب، ليعلم أنه عبد ذليل فلا يليق به الكبر.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليدرك بالحلم درجة القائم والصائم، وإنه ليكتب جبارا وما يملك إلا أهل بيته» وقال صلى الله عليه وسلم: من كظم غيظا ولو شاء أن يمضيه أمضاه، ملأ الله تعالى قلبه يوم القيامة أمنا وإيمانا»، وقال عليه السلام: «ما من جرعة أحب إلى الله تعالى من جرعة غيظ يكظمها عبد، وما كظمها عبد إلا ملأ الله جوفه إيمانا» .
(1) إماطته: كشفه.
(2) أي أن الغضب كما هو آلة لمنع كثير من المنكرات، فهو أيضا آلة لتحصيل كثير من الخيرات.