رخّص رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من الكذب إلا في ثلاث: الرجل يقول القول يريد الإصلاح، والرجل يقول القول في الحرب، والرجل يحدث امرأته». وهذا لأن أسرار الحرب لو وقف عليها العدوّ اجترأ، وأسرار الزوج لو وقفت عليها المرأة نشأ منها فساد أعظم من فساد الكذب، وكذلك المتخاصمان تدوم بينهما المعصية والعداوة، فإذا أمكن الإصلاح بكذب، فذلك أولى. فهذا ما ورد فيه الخبر. وما في معناه: كذب الإنسان ليستر مال غيره عن ظالم، أو إنكاره لسر غيره، بل إنكاره لمعصية نفسه عن غيره، فإن المجاهرة بالفسق وإظهاره حرام، وإنكاره جناية نفسه على غيره لتطيّب قلبه، وكذلك إنكاره مع زوجته أن تكون ضرّتها أحبّ إليه، وكل ذلك يرجع إلى دفع المضرّات. ولا يباح لجلب زيادة مال وجاه، وفيه يكون كذب أكثر الناس. ثم إذا اضطر إلى الكذب فليعدل إلى المعاريض (1) ما أمكن حتى لا يعتاد نفسه الكذب.
كان إبراهيم بن أدهم إذا طلب في الدار قال لخادمته: قولي له اطلبه في المسجد.
وكان الشعبي يخطّ دائرة، ويقول لخادمته: «ضعي الإصبع فيها، وقولي: ليس هاهنا» .
وكان بعضهم يعتذر عن الأمير ويقول: منذ فارقتك ما رفعت جنبي من الأرض إلا ما شاء الله تعالى. وكان بعضهم ينكر ما قال فيقول: إن الله ليعلم ما قلت من ذلك من شيء، فيوهم النفي بحرف «ما» وهو يريد غير ذلك (2) . وتباح المعاريض لغرض خفيف، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تدخل الجنة عجوز، ونحملك على ولد البعير، وفي عيني زوجك بياض» لأن هذه الكلمات أوهمت خلاف ما أراد، فيباح مثل ذلك مع النساء والصبيان لتطييب قلوبهم بالمزاح. وكذلك من يمتنع عن أكل الطعام فلا ينبغي أن يكذب ويقول: لا أشتهي إذا كان يشتهي، بل يعدل إلى المعاريض؛ قال النبي عليه السلام لامرأة قالت ذلك: «لا تجمعي كذبا وجوعا» .
الآفة الثانية الغيبة:
قال الله تعالى: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ} [الحجرات:12] . وقال عليه السلام: «الغيبة أشد من الزنا» ، وأوحى الله تعالى إلى موسى - عليه السلام: «من مات تائبا من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة، ومن مات
(1) المعاريض: جمع معراض، وهو التورية بالكلام يقول شيئا ويعني شيئا آخر.
(2) يريد: إن الله ليعلم الذي قلت من ذلك. فتكون «ما» ضمير بمعنى «الذي» .