فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 189

مصرّا عليها فهو أول من يدخل النار». وقال صلى الله عليه وسلم: «مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون وجوههم بأظفارهم، فقيل لي: هؤلاء الذين كانوا يغتابون الناس» .

واعلم أن حدّ الغيبة - كما بيّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم - أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه، وإن كنت صادقا، سواء ذكرت نقصانا في نفسه، أو عقله، أو ثوبه، أو فعله، أو قوله، أو داره، أو نسبه، أو دابته، أو شيئا مما يتعلق به، حتى قولك إنه واسع الكم، أو طويل الذّيل؛ حتى ذكر عند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقيل: ما أعجزه، فقال عليه السلام:

«اغتبتموه» . وأشارت عائشة - رضي الله عنها - بيدها إلى امرأة أنها قصيرة، فقال عليه السلام: «اغتبتها» .

فبهذا يعلم أن الغيبة لا تقتصر على اللسان، بل لا فرق بين أن يحصل التفهيم باليد أو بالرمز أو بالإشارة أو بالحركة أو بالمحاكاة أو التّعريض المفهم، كقولك: إن بعض أقربائنا وبعض أصدقائنا كذا كذا.

واعلم أن أخبث أنواع الغيبة غيبة القرّاء، يقولون مثلا: الحمد لله الذي لم يبتلنا بالدخول على السلطان لطلب الدنيا؛ أو: نعوذ بالله من قلة الحياء؛ وهم يفهمون المقصود بذلك، يقولون: ما أحسن أحوال فلان لو لا أنه بلي بمثل ما ابتلي به أمثالنا، وهو قلة الصبر عن الدنيا، فنسأل الله تعالى أن يعافينا؛ وغرضهم بذلك الغيبة، فيجمعون بين الغيبة والرياء، وإظهار التشبه بأهل الصّلاح في الحذر من الغيبة. وهذه خبائث يغترّون بها وهم يظنون أنهم تركوا الغيبة. وكذلك قد يغتاب واحد فيغفل عنه الحاضرون فيقول: سبحان الله ما أعجب هذا، حتى ينتبه القوم إلى الإصغاء، فيستعمل ذكر الله في تحقيق خبثه، ويقول: قلبي مشغول بفلان تاب الله علينا وعليه، وليس غرضه الدعاء بل التعريف؛ ولو قصد الدعاء لأخفاه، ولو اغتمّ قلبه لأجله لكتم عيبه ومعصيته.

و كذلك المستمع، قد يظهر تعجبا من كلام المغتاب حتى يزيد نشاطه في الغيبة؛ والمستمع أحد المغتابين، كذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف إذا حرّك نشاطه بالتعجب! وكذلك قد يقول: دع غيبة فلان؛ وهو بقلبه غير كاره لغيبته، إنما غرضه أن يعرف بالتورع؛ وذلك لا يخرجه عن إثم الغيبة ما لم يكرهها بقلبه ويورطه في إثم الرياء، بل يخرج من الإثم بأن يكرهه قلبه، ويكذب المغتاب ولا يصدّقه عليه، لأنه فاسق يستحق التكذيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت