أخس من الكفار. وحقّ العابد إذا نظر إلى عالم أن يتواضع له لجهله، وإن نظر إلى فاسق أن يقول لعل فيه خلقا باطنا يستر معاصيه الظاهرة، ولعل في باطني حسدا أو رياء أو خبثا خفيّا مقتني الله سبحانه عليه فلا يقبل أعمالي الظاهرة، وأن الله سبحانه ينظر إلى القلوب لا إلى الصور. ومن الخبث الباطن الكبر، إذ روي أن رجلا من بني إسرائيل يقال له خليع بني إسرائيل لكثرة فساده، جلس إلى عابد بني إسرائيل وقال: لعل الله تعالى يرحمني ببركته، فقال العابد في نفسه كيف يجلس معي مثل هذا الفاسق؟ وقال له: قم عني! فأوحى الله سبحانه إلى نبيّ زمانه: مرهما ليستأنفا العمل، فقد غفرت للخليع وأحبطت عمل العابد. وروي أن رجلا وطئ رقبة عابد من بني إسرائيل وهو ساجد، فقال له: ارفع، فو الله لا يغفر الله لك، فأوحى الله سبحانه إليه أيها المتألّي (1) عليّ بل لا يغفر الله لك. فالأكياس (2) يحذرون من ذلك ويقولون ما كان يقول له عطاء السلمي مع شدّة ورعه؛ كان إذا هبت ريح عاصف أو صاعقة يقول: ما يصيب الناس ذلك إلا بسببي، ولو مات عطاء لتخلصوا. وقال بعضهم في عرفات: أنا أرجو الرحمة لجميعهم لو لا كوني فيهم. فانظر كم بين من يخلص العمل والورع ثم يخاف على نفسه، وبين من يتكلف أعمالا ظاهرة لعلها لا تخلو عن الرياء والافات ثم يمن على الله بعمله.
السبب الثالث الكبر بالنسب:
و علاجه أن ينظر في نسبه، فإن أباه نطفة مذرة، وجده التراب، ولا أقذر من النطفة ولا أذل من التراب. ثم المفتخر بالنسب يفتخر بخصال غيره، ولو نطق آباؤه لقالوا: من أنت في نفسك! ما أنت إلا دودة من بول من له خصلة حسنة؛ ولذلك قيل:
لئن فخرت بآباء ذوي نسب لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا
و كيف يتكبر بنسب ذوي الدنيا ولعلهم صاروا حممة (3) في النار يودّون لو كانوا خنازير أو كلابا يتخلصون مما هم فيه. وكيف يتكبر بنسب أهل الدّين وهم في أنفسهم ما كانوا يتكبرون، وكان شرفهم بالدّين، ومن الدّين التواضع. وكان أحدهم يقول:
(1) المتألي: الحالف.
(2) جمع كيس وهو ضد الحمق ويقال الغلبة بالكياسة.
(3) حممة: كل ما احترق بالنار.