فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 189

ذلك لتعظيم الله وتحقير أنفسهم وعجزهم عن دفع قضاء الله، فهم مبتدعون لمخالفتهم الإجماع.

ومنهم من ذهب إلى أن كل ما يصدر عن العباد عقيب قصدهم وإرادتهم يكون واقعا بقدرتهم واختيارهم، ولا يتعلق بها بخصوصها قدرة الله وإرادته، ويسمّى هؤلاء قدرية لنفيهم القدر لا لإثباتهم. وهذا المذهب أيضا باطل؛ لأنهم إن قالوا هذا القول عن اعتقاد جواز العجز عن التقدير لله تعالى، فهم كافرون، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا؛ وإن قالوا عن خطأ اجتهاداتهم وتنزيه الحق عن تقدير أفعالهم القبيحة وخلقها فهم مبتدعون لمخالفتهم الإجماع. ومن هذه الطائفة من يقول: الخير بتقدير الله. والشر ليس بتقديره.

والمذهب الحق هو أن المؤثر مجموع القدرتين: قدرة الله وقدرة العباد، فالأفعال الصادرة عن العباد كلها بقضاء الله وقدره، ولكن للعباد اختيار، فالتقدير من الله، والكسب من العباد، وهذا المذهب وسط بين الجبر والقدر، وعليه أهل السنة والجماعة». انتهى كلامه.

وذكرنا في كتاب «المقصد الأقصى» تدبير رب الأرباب ومسبب الأسباب، أصل وضع الأسباب، ليتوجه إلى المسببات حكمه، ونصبه الأسباب الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تزول ولا تحول كالأرض والسموات السبع والكواكب والأفلاك، وحركاتها المتناسبة الدائمة التي لا تتغير ولا تنعدم، إلى أن يبلغ الكتاب أجله وقضاؤه، كما قال: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِيْ يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِيْ كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} [فصلت:12] . وتوجيهه هذه الأسباب - بحركاته المناسبة المحدودة المقدرة المحسوبة إلى مسببات الحادثة منها لحظة بعد لحظة - قدره. فالحكم هو التدبير الأول الكلي، والأمر الأزلي هو كلمح البصر. والقضاء هو الوضع الكليّ للأسباب الكلية الدائمة. والقدر هو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدّرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة المحدودة بقدر معلوم لا يزيد ولا ينقص؛ ولذلك لا يخرج شيء عن قضائه وقدره. ولا تفهم ذلك إلا بمثال؛ ولعلك شاهدت صندوق الساعات التي بها تتعرف أوقات الصّلوات وإن لم تشاهده، فجملة ذلك أنه لا بدّ فيه من آلة على شكل أسطوانة تحوي مقدارا من الماء معلوما، وآلة أخرى مجوفة موضوعة فيها فوق الماء، وخيط

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت