فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 189

بالكلية، ولم ينفوا القضاء والقدر عن الله تعالى بالكلية، بل قالوا: أفعال العباد من الله من وجه، ومن العبد من وجه. وللعبد اختيار في إيجاد أفعاله.

واعلم أن قضاء الله تعالى على أربعة أوجه: قضاء الطاعات، وقضاء المعاصي، وقضاء النعم، وقضاء الشدائد. والمذهب المستقيم في ذلك، إذا قضى للعبد الطاعة فعليه أن يستقبله بالجهد والإخلاص حتى يكرمه الله بالتوفيق والهداية لقوله تعالى: {وَالَّذِيْنَ جَاهَدُوا فِيْنَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت:69] . يعني الذين جاهدوا في طاعتنا وفي ديننا لنوفقنهم لذلك. وإذا قضى المعصية، فعليه أن يستقبله بالاستغفار والتوبة والندامة من صميم الفؤاد، لقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِيْنَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِيْنَ} [البقرة:222] . وإذا قضى النعمة، فعليه أن يستقبله بالشكر والسخاء حتى يكرمه بالزيادة، لقوله تعالى: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيْدَنَّكُمْ} [إبراهيم:7] . وإذا قضى الشدة، فعليه أن يستقبله بالصبر والرضاء حتى يعطيه الكرامة في الدار الآخرة، لقوله تعالى: «إن الله يحبّ الصّابرين» (1) وقال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُوْنَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10] . وذكر الفاضل الإمام مولانا علاء الدين في شرحه للمصابيح: «الفرق بين القضاء والقدر، هو أن القضاء وجود جميع الموجودات في اللوح المحفوظ، إجمالا لا تفصيلا، والقدر هو تفصيل قضائه السابق بإيجادها في المواد الخارجية واحدا بعد واحد. وقيل القضاء هو الإرادة الأزلية، والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها الخاصة. ثم إن المسلمين في القدر على اختلاف: منهم من ذهب إلى أن كلّ ما يجري في العالم من الخير والشرّ والأفعال والأقوال بقضاء الله وقدره، ولا اختيار للعباد فيه، ويسمى هذا القوم جبرية. والجبر هو القهر والإكراه؛ فيقولون: أجبر الله عباده على أقوالهم وأفعالهم من غير اختيار منهم فيها؛ ويزعمون أن إضافتها إليهم إضافتها إلى الجمادات؛ في مثل قولنا: دارت الرحا وجرى الميزاب. وهذا المذهب باطل؛ لأنهم قالوا هذا القول ليسقطوا من أنفسهم التكاليف، وشبهوا أنفسهم بالصبيان والمجانين في عدم جريان الخطاب بهم، فقد كفروا؛ لأن مذهبهم يفضي إلى إبطال الكتب والرسل. وإن قالوا

(1) لفظ الآية 146 من سورة آل عمران: {وَمَا ضَعُفُوْا وَمَا اسْتَكَانُوْا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِيْنَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت