فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 189

فأشرقت أقطار الملكوت بين أيديهم بنور ربها، فأدركوا الأمور كما هي عليه؛ فقيل لهم: تأدبوا بآداب الله واسكتوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا! فلذلك أمسك عمر لما سئل عن القدر، فقال للسائل: بحر عميق لا تلجه؛ ولما كرر السؤال قال: طريق مظلم لا تسلكه؛ ولما كرر ثالثا قال: سر الله قد خفي عليك فلا تفتشه. ومن أراد معرفة أسرار الملكوت فليلازم بابهم بالمحبة والإخلاص والصدق والإعراض عن عدائهم، والامتثال بأوامرهم والسعي فيما يرضيهم، وكذلك من أحب معرفة أسرار الربوبية، فليلازم باب الله عز وجل بالمحبة، والإخلاص، والصدق والتعظيم، والحياء والامتثال بالأوامر، والانتهاء عن المعاصي، والمجاهدة والإقبال بكنه الهمة، والتعرض لنفحاته لقوله - عليه السلام - «إن لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرّضوا لها» والسعي فيما يرضي وإن لم يطق ذلك فعليه أن يعتقد في هذا البحث ما عليه أبو حنيفة - رحمه الله - وأصحابه، حيث قالوا: إحداث الاستطاعة في العبد فعل الله، واستعمال الاستطاعة المحدثة فعل العبد حقيقة لا مجازا. والقدرية أنكروا قضاء الله ورأوا الخير والشر من أنفسهم. أرادوا بذلك تنزيه الله عن الظلم وفعل القبيح، ولكنهم ضلوا إذ نسبوا العجز إلى الله تعالى في ضمن ذلك، ولم يدروا. والجبرية اعتمدوا على القضاء، ورأوا الخير والشر من الله، ولم يروا من أنفسهم فعلا، كما لم يروا من الجمادات؛ أرادوا بذلك تنزيه الله تعالى عن العجز فضلّوا، إذ نسبوا الظلم إليه تعالى في ضمن ذلك؛ وأضلوا سفهاءهم، فكانوا يعصون الله وينسبون إلى الله، ويبرءون أنفسهم عن الذم واللوم كالشيطان حيث {قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِيْ لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيْمَ} [الأعراف:16] .

فالحاصل أن القدرية أثبتوا الاختيار الكلي للعبد في جميع أفعال العباد، وأنكروا قضاء الله تعالى وقدره بالكلية في الأفعال الاختيارية. والجبرية نفوا الاختيار بالكلية في أفعال العباد، واعتمدوا على القضاء والقدر؛ فينبغي للباحث معهم أن يضربهم، ويمزق ثيابهم وعمائمهم ويخدش وجوههم، وينتف أشعارهم وشواربهم ولحاهم، ويعتذر بما اعتذر هؤلاء السفهاء في سائر أفعالهم القبيحة الصادرة منهم. والمعتزلة أضافوا الشر فقط إلى أنفسهم، وأثبتوا لأنفسهم الاختيار الكلي تحرزا عن نسبة القبح والظلم إلى الله، ولكن نسبوا إلى الله العجز في ضمن ذلك ولم يدروا، فتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.

وأما أهل السنة والجماعة، فتوسطوا بينهم، فلم ينفوا الاختيار عن أنفسهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت