الغيبة أسرع في حسنات العبد من النار في اليبس». وورد أن حسنات المغتاب تنقل إلى ديوان المظلوم بالغيبة، فينظر في قلة حسناته وكثرة غيبته، وأنه ينتهي إلى إفلاسه على القرب، ثم يتفكر في عيوب نفسه، فإن كان فيه عيب فيشتغل عن غيره، وإن كان قد ارتكب صغيرة فيعلم أن ضرره من صغيرة نفسه أكثر من ضرره من كبيرة غيره، وإن لم يكن فيه عيب، فيعلم أن جهله بعيوب نفسه أعظم عيب. ومتى يخلو الإنسان من عيب؟ ثم إن خلا منه فليشكر الله تعالى بدلا من الغيبة، فإن ثلب الناس وأكل لحم الميتة، من أعظم العيوب، فليحذر منه. ثم مهما سبق لسانه إلى الغيبة، فينبغي أن يستغفر الله تعالى، ويذهب إلى المغتاب ويقول: ظلمتك فاعف عني! فيستحله؛ فإن لم يصادفه فليكثر من الثناء عليه، ومن الدعاء له، ومن الحسنات، حتى إذا نقل بعضها إلى ديوان المظلوم، بقي له ما يكفيه؛ فهي كفّارة الغيبة.
الآفة الثالثة المراء والمجادلة:
قال صلى الله عليه وسلم: «من ترك المراء وهو محقّ بني له بيت في أعلى الجنة، ومن تركه وهو مبطل بني له بيت في ربض الجنة» وهذا لأن الترك على المحق أشد. وقال عليه السلام: «لا يستكمل العبد حقيقة الإيمان حتى يدع المراء وهو محق» . وحدّ المراء هو الاعتراض على كلام الغير بإظهار خلل فيه، إما في اللفظ، وإما في المعنى. والباعث عليه تارة الترفع بإظهار الفضل، وسببه خبث الرعونة، وإما السّبعية (1) التي في الطبع المتشوفة إلى تنقيص الغير وقهره. فالمراء والمجادلة تقوية لهذين الخبيثين المهلكين، بل الواجب أن يصدّق ما سمعه من الحق، ويسكت عما سمعه من الخطأ، إلا إذا كان في ذكره فائدة دينية، وكان يسمع منه، فيذكره برفق لا بعنف.
الآفة الرابعة المزاح:
و الإفراط فيه يكثر الضحك، ويميت القلب، ويورث الضغينة، ويسقط المهابة والوقار؛ قال صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة يضحك بها جلساءه فيهوي بها أبعد من الثريا» . وقال عليه السلام: «لا تمار أخاك ولا تمازحه» . واعلم أن اليسير منه في بعض الأوقات لا بأس به، لا سيما مع النساء والصبيان تطييبا لقلوبهم، نقل ذلك عن رسول
(1) السبعية: نسبة الى السّبع، وهي الطبيعة الحيوانية.