فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 189

الله صلى الله عليه وسلم لكنه قال: «إني لأمزح ولا أقول إلا حقّا» ، ويعسر على غيره ضبط ذلك. وقد روي أنه سابق عائشة - رضي الله عنه - بالعدو. وقال عليه السلام لعجوز: «لا يدخل الجنة عجوز» ، أي لا يبقى عجوز في الجنة (1) . وقال لصبيّ: «يا أبا عمير ما فعل النّغير؟» ، والنغير ولد العصفور كان يلعب به الصبي. وقال صلى الله عليه وسلم لصهيب وهو يأكل التمر: «أَتأكل التمر وأنت رمد؟» ، وقال: إنما آكل بالشق الآخر، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا وأمثاله من المفاكهة لا بأس بها، بشرط أن لا يتخذها عادة.

الآفة الخامسة المدح:

كما جرت به عادة الناس عند المحتشمين (2) من أبناء الدنيا، وكما جرت به عادة القصّاص والمذكرين، فإنهم يمدحون من يحضر مجالسهم من الأغنياء. وفي المدح ست آفات: أربع على المادح، واثنتان على الممدوح. وأما المادح، فالآفة الأولى فيه أنه قد يفرّط فيه فيذكره بما ليس فيه فيكون كذّابا. الثانية: أنه قد يظهر له من الحب ما لا يعتقده فيكون منافقا مرائيا. الثالثة: أنه يقول ما لا يتحققه، فيكون مجازفا، كقوله إنه عدل وإنه ورع وغير ذلك مما لا يتحقق فيه. مدح رجل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا، فقال عليه السلام: «ويحك قطعت عنق صاحبك! إن كان لا بدّ من كون أحدكم مادحا أخاه فليقل: أحسب فلانا ولا أزكّي على الله أحدا، حسيبه الله إن كان يرى أنه كذلك» .

الرابعة: أن يفرح الممدوح به، وربما كان ظالما فيعصي بإدخال السرور على قلبه؛ وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق» . وقال الحسن: «من دعا لفاسق بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله» . فالظالم الفاسق ينبغي أن يذم لتفتر رغبته في الظلم والفسق.

وأما الممدوح، فإحدى الآفتين أن يحدث فيه كبرا أو إعجابا وهما مهلكان؛ ولذلك قال عليه السلام: «قطعت عنق صاحبك» . الثانية: أن يفرح به فيفتر عن العمل ويرضى عن نفسه؛ قال صلى الله عليه وسلم: «لو مشى رجل إلى رجل بسكين مرهف، كان خيرا له من أن يثني عليه في وجهه» .

وأما إذا سلم المدح من هذه الآفات في المادح والممدوح، فلا بأس به، وربما

(1) المقصود أن العجوز المؤمن المستحق للجنة، يسترجع شبابه عند دخولها.

(2) أي الأكابر والسلاطين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت