فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 189

يستحمق نفسه إذا آثر واحدا على سبع وعشرين! لا سيما فيما هو عماد الدين ومفتاح السعادة الأبدية.

وأما الكفر، فهو أن يخطر بباله أن هذا ليس كذلك، وإنما ذكره للترغيب في الجماعة، وإلا فأيّ مناسبة بين الجماعة وبين هذا العدد المخصوص من بين سائر الأعداد؟ وهذا كفر خفيّ قد ينطوي عليه الصدر، وصاحبه لا يشعر به، فما أعظم حماقة من يصدق المنجم والطبيب في أمور أبعد من ذلك، ولا يصدق النبي المكاشف بأسرار الملكوت! فإن المنجّم لو قال لك: إذا انقضى سبعة وعشرون يوما من أول تحويل طالعك، أصابتك نكبة فاحترز في ذلك اليوم، واجلس في بيتك! فلا تزال في تلك المدة تستشعر وتترك جميع أشغالك؛ ولو سألت المنجم عن سببه لقال لك: إنما قلت ذلك لأن بين درجة الطالع وموضع زحل سبعا وعشرين درجة، فتتأخر النكبة في كل درجة يوما أو شهرا، فإذا قيل لك هذا هوس، إذ لا مناسبة له فلا تصدقن به، فلا يخلو قلبك عن الاستشعار.

و تقول في أفعال الله تعالى عجائب لا تعرف مناسبتها، ولعلها خواصّ لا تدرك؛ وقد عرف بالتجربة أن ذلك مما يؤثر، وإن لم تعرف مناسبته. ثم إذا آل الأمر إلى خبر النبوة عن الغيب، أنكرت مثل هذه الخواص وطلبت المناسبة الصريحة؛ فهل لهذا سبب إلا شرك خفيّ، لا بل كفر جليّ؟ إذ لا محمل له سواه. وسبب هذا التكاسل كله، أنك لا يهمك أمر آخرتك، فإن أمر دنياك لما كان يهمك، فتحتاط فيه بقول المنجم والطبيب، وبالاختلاج (1) والفأل والأمور البعيدة عن المناسبة غاية البعد، وتنقاد إلى الاحتمالات البعيدة؛ لأن الشفيق بسوء الظن مولع، ولو تفكرت لعلمت أن هذا الاحتياط بالخطر الأبدي أليق. فإن قلت: ففي أي جنس من الأعمال ينبغي أن تتّبع السنّة؟ فأقول:

في كل ما وردت به السنّة؛ والأخبار في ذلك كثيرة، وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «من احتجم يوم السبت والأربعاء فأصابه برص فلا يلومنّ إلا نفسه» . وقد احتجم بعض المحدثين يوم السبت، وقال: هذا الحديث ضعيف، فبرص وعظم ذلك عليه، حتى رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فشكا إليه ذلك، فقال لم احتجمت يوم السبت؟ فقال: لأن الراوي كان

(1) الاختلاج: التحرك والاضطراب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت