الأسرار. وهذا ينبهك على الاتباع فيما لا يفهم وجه الحكمة فيه على ما ذكرناه في السرّ الأول.
السر الثالث: أن سعادة الإنسان أن يتشبه بالملائكة في النزوع عن الشهوات وكسر النفس الأمّارة بالسوء، ويبعد عن مشابهة البهيمة المهملة سدى، التي تسترسل في اتباع الهوى بحسب ما يقتضيه طبعها من غير حاجز. ومهما تعوّد الإنسان في جميع الأمور أن يفعل ما يشاء من غير حاجز، ألف اتباع مراده وهواه، وغلب على قلبه صفة البهيمة، فمصلحته أن يكون في جميع حركاته ملجما يصدّه عن طريق إلى طريق؛ كيلا تنسى نفسه العبودية، ولزوم الصراط المستقيم، فيكون أثر العبودية ظاهرا عليه في كل حركة.
إذ لا يفعل شيئا بحسب طبعه بل بحسب الأمر، فلا ينفك في جميع أحواله عن مصادمات الزمان بإيثار بعض الأمور على بعض. ومن ألقى زمامه إلى يد كلب مثلا حتى لم يكن تصرفه وتردده بحكم طبعه بل بحكم غيره، فنفسه أقوم إلى قبول الرياضة الحقيقية، وأقرب وأقوى ممن جعل زمامه في يد هواه، يسترسل بها استرسال البهيمة.
وتحت هذا سرّ عظيم في تزكية النفس، وهذه فائدة تحصل بوضع الشارع صلى الله عليه وسلم كيفما وضعه. والفائدة الحكمية والخاصية لا تتغير بالوضع، وهذا يتغير بالوضع، فإن المقصود أن لا يكون مخلّى مع اختياره، وذلك المقصود يحصل بالمنع عن أحد الجانبين أيّ جانب كان، وفي مثل هذا يتصور أن تختلف الشرائع لأنه ثمرة الوضع.
فيكفيك هذه التنبيهات الثلاث على فضل ملازمة الاتباع في جميع الحركات والسكنات.
هذا التحريض كله الذي ذكرته إنما هو في العادات. وأما في العبادات، فلا أعرف لترك السنة من غير عذر وجها إلا كفر خفيّ أو حمق جليّ، بيانه أن النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: «تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ (1) بسبع وعشرين درجة» . فكيف تسمح نفس المؤمنين بتركها من غير عذر؟ نعم، يكون السبب في ذلك إما حمق أو غفلة بأن لا يتفكر في هذا التفاوت العظيم. ومن يستحمق غيره - إذا آثر واحدا على اثنين - كيف لا
(1) الفذ: الفرد.