المناسبة إلى الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، كقولك: إن العسل يضرّ المحرورين وينفع البارد مزاجه. ومنها ما لا يدرك بالقياس، ويعبّر عنه بالخواص، وتلك الخواص لم يوقف عليها بالقياس، بل مبدأ الوقوف عليها وحي أو إلهام؛ فالمغناطيس يجذب الحديد، والسقمونيا (1) تجذب خلط الصفراء من أعماق العروق، لا على القياس، بل بخاصية وقف عليها إما بالإلهام أو بالتجربة. وأكثر الخواص عرفت بالإلهام، وأكثر التأثيرات في الأدوية وغيرها من قبل الخواص. فلذلك، فاعلم أن تأثيرات الأعمال في القلب، تنقسم إلى ما هو يفهم وجه مناسبته، كعلمك بأن اتباع الشهوة الدنيوية يؤكد علاقته مع هذا العالم، فيخرج من العالم منكوس الرأس موليا وجهه إلى هذا العالم إذ فيه محبوبه؛ وكعلمك أن المداومة على ذكر الله تعالى تؤكد الأنس بالله تعالى، وتوجب الحب حتى تعظم اللذة به عند فراق الدنيا، والقدوم على الله سبحانه. إذ اللذة على قدر الحب، والحب على قدر المعرفة والذّكر.
ومن الأعمال ما يؤثر في الاستعداد لسعادة الآخرة أو لشقاوتها بخاصية ليست على القياس، لا يوقف عليها إلا بنور النبوة؛ فإذا رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم قد عدل عن أحد المباحين إلى الآخر، وآثره عليه مع قدرته عليهما، فاعلم أنه اطلع بنور النبوة على خاصية فيه، وكوشف به من عالم الملكوت، كما قال صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إن الله أمرني أن أعلمكم مما علمني، وأؤدبكم مما أدبني، فلا يكثرنّ أحدكم الكلام عند المجامعة، فإنه يكون منه خرس الولد، ولا ينظرن أحدكم إلى فرج امرأته إذا هو جامعها، فإنه يكون منه العمى، ولا يقبّلنّ أحدكم امرأته إذا هو جامعها فإنه يكون منه صمم الولد، ولا يديمنّ أحدكم النظر في الماء فإنه يكون منه ذهاب العقل» . وهذا مثال مما ذكرناه وأردنا تنبيهك على اطلاعه على خواص الأشياء، بالإضافة إلى أمور الدنيا لتقيس به اطلاعه صلى الله عليه وسلم على ما يؤثر بالخاصية في السعادة والشقاوة فلا ترضى، فترضى لنفسك أن تصدق محمد بن زكريا الرازي المتطبب فيما يذكره من خواص الأشياء في الحجامة والأحجار والأدوية، ولا تصدق سيد البشر محمد بن عبد الله الهاشمي المكّي المدنيّ - صلوات الله عليه وسلامه - فيما يخبر به عنها؛ وأنت تعلم أنه صلى الله عليه وسلم مكاشف من العالم الأعلى بجميع
(1) السقمونيا: يبدو أنه تعبير طبي كان شائعا تلك الأيام، وقد استعمله ابن رشد.