نعت الصحة والاستقامة، كما تستعد المرآة المعتدلة لمحاكاة الصور الصحيحة من غير اعوجاج. ومعنى العدل: وضع الأشياء مواضعها، ومثاله أن الجهات مثلا أربعة، وقد خص منها جهة القبلة بالتشريف؛ فالعدل أن تستقبل في أحوال الذكر والعبادة والوضوء، وأن تنحرف عنها عند قضاء الحاجة، وكشف العورة، إظهارا لفضل من ظهر فضله. ولليمين زيادة على اليسار - غالبا لفضل القوة - فالعدل أن تفضلها على اليسار، وتستعملها في بعض الأعمال الشريفة، كأخذ المصاحف والطعام، وتترك اليسار للاستنجاء وتناول القاذورات؛ وتقليم الظفر مثلا، تطهيرا لليد، فهو إكرام. فينبغي أن تبتدئ بالأكرم والأفضل؛ وربما لا يستقل عقلك بالتفطّن للترتيب في ذلك وكيفية البداية، فاتبع فيه السنّة وابتدئ بالمسبّحة من اليمنى؛ لأن اليد أفضل من الرّجل، واليمنى أفضل من اليسرى. والمسبّحة - التي بها الإشارة في كلمة التوحيد - أفضل من سائر الأصابع. ثم بعد ذلك تدور من يمين المسبّحة. وللكفّ ظهر ووجه، فوجهه ما تقابله، فإذا جعلت الكفّ وجه اليد، كان يمين المسبّحة من جانب الوسطى، فقدّر اليدين متقابلتين بوجهيهما، وقدّر الأصابع كأنها أشخاص، فتدور بالمقراض من المسبّحة إلى أن تختم بإبهام اليمنى. كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والحكمة في ذلك ما ذكرناه، فإذا أنت تعوّدت رعاية العدل في دقائق الحركات، صارت العدالة والصحة هيئة راسخة في قلبك، واستوت صورها، وبذلك تستعد لقبول صورة السعادة؛ ولذلك قال الله تعالى: {فَإِذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29، ص:72] . فروح الله عزّ وجلّ مفتاح أبواب السعادة، ولم يكن نفخها إلا بعد التسوية. ومعنى التسوية يرجع إلى التعديل؛ وفي ذلك سر طويل يطول شرحه، وإنما نريد الرمز إلى أصله؛ فإن كنت لا تقوى على فهم حقيقته، فالتجربة تنفعك. فانظر إلى من تعوّد الصدق كيف تصدق رؤياه غالبا؛ لأن الصدق حصل في قلبه هيئة صادقة، يتلقى لوائح الغيب في النوم على الصحة. وانظر كيف تكذب رؤيا الكذاب، بل رؤيا الشاعر، لتعوّده التخيلات الكاذبة، فاعوجّ لذلك صورة قلبه. فإن كنت تريد أن تلمح جنات القدس، فاترك ظاهر الإثم وباطنه، واترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، واترك الكذب حتى في حديث النفس أيضا.
السرّ الثاني: أن تعلم أن الأشياء المؤثّرة في بدنك بعضها إنما يعقل تأثيرها بنوع من