فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 189

نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر:7] . فعليك أن تلبس السراويل قاعدا، وتتعمم قائما، وتبتدئ باليمين في تنعلك، وتأكل بيمينك، وتقلّم أظفارك وتبتدئ بمسبّحة (1) اليد اليمنى وتختم بإبهامها، وفي الرجل تبتدئ بخنصر اليمنى وتختم بخنصر اليسرى، وكذلك في جميع حركاتك وسكناتك؛ فقد كان محمد بن أسلم لا يأكل البطيخ، لأنه لم ينقل إليه كيفية أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم له، وسها بعضهم فابتدأ في لبس الخف باليسرى، فكفّر عن ذلك بكرّ (2) حنطة. فلا ينبغي أن تتساهل في أمثال ذلك فتقول: هذا مما يتعلق بالعادات، فلا معنى للاتباع فيه؛ لأن ذلك يغلق عليك بابا عظيما من أبواب السعادة.

لعلك تشتهي الآن الوقوف على السبب المرغّب في الاتباع في هذه الأفعال، وتستبعد أن يكون تحت ذلك أمر مهم يقتضي هذا التشديد العظيم في المخالفة. فاعلم أن ذكر السر في آحاد تلك السّنن طويل لا يحتمل هذا الكتاب شرحه. لكن ينبغي أن تفهم أن ذلك ينحصر في ثلاثة أنواع من الأسرار:

السرّ الأول: أنّا قد نبّهناك في مواضع على العلاقة التي بين الملك والملكوت، وبين الجوارح والقلب، وكيفية تأثر القلب بعمل الجوارح، فإن القلب كالمرآة، ولا تتجلى فيه حقائق الأشياء إلا بتصقيله وتنويره وتعديله. أما تصقيله، فبإزالة خبث الشهوات وكدورة الأخلاق الذميمة. وأما تنويره فبأنوار الذكر والمعرفة، ويعين على ذلك العبادة الخالصة إذا أدّيت على كمال الخدمة بمقتضى السّنّة. وأما تعديله، فبأن يجري في جميع حركات الجوارح على قانون العدل، إذ اليد لا تصل إلى القلب حتى تقصد بتعديله وتحدث فيه هيئة معتدلة صحيحة لا اعوجاج فيها، وإنما التصرف في القلب بواسطة تعديل الجوارح وتعديل حركاتها، ولهذا كانت الدنيا مزرعة الآخرة.

و لهذا تعظم حسرة من مات قبل التعديل، لانسداد طريق التعديل بالموت، إذ تنقطع علاقة القلب عن الجوارح؛ فمهما كانت حركات الجوارح، بل حركات الخواطر أيضا موزونة بميزان العدل، حدث في القلب هيئة عادلة مستوية، تستعد لقبول الحقائق على

(1) المسبحة: السبّابة.

(2) الكرّ: نوع من المكاييل يساوي نحو أربعين اردبّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت