والمتواضعون أعزّاء، وأما هذا العالم، فعالم التلبيس (1) ، فقد يودع معنى الخنزير والكلب في صورة الإنسان، فلا تغتر به، فإن ذلك ينكشف يوم تبلى (2) السرائر. فعليك أن تحسن صحبة رفقائك الثلاثة، فتكسر شرة (3) الشهوة بسطوة الغضب، وتقل من غلواء الغضب بخداع الشهوة، وتسلط أحدهما على الآخر؛ فإن ذلك بليغ جدا في تقويمهما، حتى ينقادا للعقل والشرع، فيستعملهما العقل بحيث ينتفع بهما، كما يستعمل الصائد الفرس والكلب عند الحاجة ويسكنهما عند الاستغناء، وشرح هذه الرياضة والصيد طويل ذكرناه في كتاب رياضة النفس.
الحالة الثانية: صحبتك مع عموم الخلق. فأقل درجات حسن الصحبة كفّ الأذى عنهم؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» . وفوق ذلك أن تنفعهم وتحسن إليهم؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله» . وفوق ذلك أن تحتمل الأذى منهم وتحسن مع ذلك إليهم، وذلك درجة الصّدّيقين؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ - رضي الله عنه: «إن أردت تسبق الصّديقين فصل من قطعك، وأعط من حرمك واعف عمن ظلمك» . هذه جملة الأمر.
وتفصيل هذه الحقائق كثيرة، ونقتصر من جملتها على عشرين وظيفة:
فمنها: أن لا تحبّ للناس إلا ما تحب لنفسك، قال عليه السلام: «من سرّه أن يزحزح عن النار، فليأته منيته وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» .
ومنها: أن يتواضع لكل أحد ولا يفتخر عليه، فإن الله لا يحب كل مختال فخور، وإن تكبّر عليه غيره فليحتمل؛ قال الله تعالى: {خُذِ الْعَفْوَ وأْمُرْ بِالْعُرْفِ وأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ} [الأعراف:199] .
ومنها: أن يوقر المشايخ ويرحم الصبيان، قال عليه السلام: «ليس منّا من لم يرحم صغيرنا، ولم يوقّر كبيرنا» ، وقال عليه السلام: «من إجلال الله تعالى إكرام ذي
(1) التلبيس: إخفاء الحقيقة.
(2) تبلى: تمتحن.
(3) الشّرّة (بكسر الشين المعجمة وفتح الراء مع تشديدها) : الحدة.