فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 189

حسن الصحبة في منازل السفر مع المسافرين. والخلق كلهم سفر، يسير بهم العمر سير السفينة بركّابها. واعلم أن الانسان في الدنيا إما أن يكون وحده، أو يكون مع خواصه من أهل وولد وقريب وجار، أو يكون مع عموم الخلق؛ فهذه ثلاثة أحوال. وعليه حسن الصحبة، وأداء الحقوق في جميع هذه الأحوال:

الحالة الأولى: أن يكون وحده. وليعلم أنه بنفسه عالم وأن باطنه يشتمل على أصناف من الخلق مختلفي الطباع والأخلاق، فإن لم يحسن صحبتهم ولم يقم بحقوقهم هلك. وأصناف جنود الباطن كثيرة، وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلّا هُوَ [المدثر:31] .

وقد استقصينا بعض ذلك في كتاب عجائب القلب.

ونذكر الآن أمراء الجنود ورءوسها، فنقول: فيك شهوة تجذب بها إلى نفسك النافع، وغضب تدفع به عن نفسك الضار، وعقل تدبر به الأمور وترعى به الرعية.

فأنت، باعتبار غضبك كلب، وباعتبار شهوتك بهيمة، كالفرس مثلا، وباعتبار عقلك ملك. وأنت مأمور بالعدل بينهم، والقيام بحقوقهم، والاستعانة بهم، لتقتنص بمعونتهم سعادة الأبد، فإن رضت (1) الفرس وأدبت الكلب وسخرتهما للملك تيسر لك الظفر بما طلبت، وإن سخرت العقل في استنباط الحيل لتحصيل ما يتقاضاه الكلب بغضبه ولجاجه (2) ، والفرس بحرصه وجشعه أوفيت على العطب، فضلا عن إدراك مقصود الطلب، فصرت منكوسا فاجرا ظالما؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه. ولو رأيت شخصا جعل في طاعته ملك وكلب وخنزير، فلم يزل يضطر الملك إلى أن يسجد للخنزير والكلب، فهل تراه ظالما مستوجبا اللعنة؟ ولو كوشفت بحالك عند منامك أو عند فنائك عن نفسك - كما وصفناه في الاستغراق بالله - لرأيت كل من أطاع شهوته وغضبه، ساجدا لكلب وخنزير، إذ لم يكن الكلب كلبا لصورته بل لمعناه. وكذلك ترى نفسك بعد الموت؛ لأن المعاني في عالم الآخرة تستتبع الصور ولا تتبعها، فيتمثل كل شيء بصورة توازي معناه، فيحشر المتكبرون في صغر الذر (3) ، يطؤهم من أقبل وأدبر.

(1) من الرياضة يقال راض المهر إذا ذلّله.

(2) في النسخة «لحاجه» بالحاء المهملة وهو تصحيف ظاهر.

(3) الذر: صغار النمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت