فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 189

باعتقاده الطهارة، فيجب عليه الاستقصاء والمعاودة، وأولئك قوم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، فهلكوا باستقصائهم كما قال عليه السلام: «هلك المتنطّعون» (1) . فكذلك في الحلال، أنت متعبد بما يطمئن إليه قلبك، لا بما يفتي به المفتي، فاستفت قلبك.

إياك أن تشدد على نفسك فتقول: أموال الدنيا كلها حرام

، وقد أخبثتها الأيدي العادية (2) ، والمعاملات الفاسدة، فأقنع بالحشيش مترهبا، أو أتناول من الجميع متوسعا، لا أفصل فيه بين حلال وحرام. بل اعلم قطعا، أن الحلال بيّن (3) والحرام بيّن، وبينهما أمور متشابهات.

كذلك كان في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك يكون أبد الدهر. فاستمد من السر الذي ذكرناه، فإنك غير متعبّد بما هو في نفسه حلال، بل بما هو في اعتقادك حلال، لا تعرف سببا ظاهرا في تحريمه؛ فقد توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم من مزادة (4) مشرك، وتوضأ عمر - رضي الله عنه - من جرة نصرانية. ولو عطشوا لشربوا منه؛ وشرب الماء النجس حرام، ولكن استصحبوا يقين الطهارة، ولم يتركوها لتوهم النجاسة.

و كذلك كل مال صادفته في يد رجل مجهول عندك حاله، فلك أن تشتري منه وتأكل من ضيافته، تحسينا للظن بالمسلم؛ فإن الأصل أن ما في يده فهو حلال، وما تصادفه في يد رجل عرفته بالصلاح فهو أولى بأن تعتقده حلالا. نعم يجب الحذر مما تصادفه في يد سلطان ظالم، أو رجل عرفته بالرّبا أو بيع الخمر. فيجب الحذر منه حتى تسأل وتستقصي، وتعرف من أين حصل له. فإن ظهر لك جهة حصوله وأنه حلال، فلك أخذه، وإلا فلا. فالاعتماد على العلامة الظاهرة، وهي قرينة حاله. وهذا إذا كان أكثر أمواله كذلك، فإن كان أكثرها حلالا فلك أن تأكل منه؛ وإن تركته فذلك ورع؛ فقد

(1) المتنطعون: المتحذقون الذين يتشدقون في كلامهم.

(2) العادية: الظالمة.

(3) بين: ظاهر.

(4) مزادة: ما يوضع فيه الزاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت