فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 189

كتب بعض وكلاء ابن المبارك من البصرة إليه يسأله عن معاملة رجل يعامل السلطان، فقال: «إن كان لا يعامل غير السلطان فلا تعامله، وإن كان يعامل غيره أيضا فعامله» .

و بالجملة، الناس في حقك ستة أقسام: أحدهم أن يكون مجهولا، فكل من ماله والحذر ليس بواجب، بل هو محض الورع. الثاني: أن تعرفه بالصلاح فكل منه ولا تتورّع، فالورع فيه وسوسة؛ فإن أدى إلى الأذى والإيحاش فهو معصية وحرام، لما فيه من الإيذاء، ولما فيه من سوء الظن بالرجل الصالح. الثالث: أن تعرفه بالظلم والربا حتى علمت أن كل ماله أو أكثره حرام كالسلاطين الظلمة وغيرهم، فمالهم حرام.

الرابع: أن تعرف أن أكثر أمواله حلال، ولكن لا يخلو من حرام، كرجل له تجارة وميراث، وهو مع هذا في عمل السلطان، فلك الأخذ بالأغلب، لكن الترك من الورع المهم. الخامس: أن يكون مجهولا عندك، لكن ترى عليه علامة الظلم، كالقباء والقلنسوة وهيئة الظلمة، فهذه علامة ظاهرة توجب الحذر، فلا تأكل من ماله إلا بعد التفتيش. السادس: إن ترى عليه علامة الفسق لا علامة الظلم، كطول الشارب، وانقسام شعر الرأس قزعا (1) ، ورأيته يشتم غيره، أو ينظر إلى امرأة؛ فإن علمت له مالا موروثا أو تجارة لم يحرّم ماله بذلك، وإن كان أمره مجهولا عندك فهذا فيه خطر، لأن علامة الفسق أضعف دلالة من علامة الظلم؛ ولكن الأظهر عندي أنه لا يحرّم ماله لأن ظاهر اليد والإسلام يدل على الملك دلالة أظهر من دلالة هذه العلامات على التحريم؛ وليست هذه الدلالة أقوى من دلالة النصرانية والمجوسية على نجاسة الماء، ولم يلتفت إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عمر - رضي الله عنه -.

أما علامة الظلم، فتضاهي (2) ما إذا رأينا ظبية تبول في ماء، ثم وجدنا الماء متغيرا، فأمكن أن يكون من طول المكث، وأمكن أن يكون من البول، فإنه يجب اجتنابه إحالة على السبب الظاهر. ثم وراء ذلك كله، عليه أن يستفتي قلبه، فإذا وجد في قلبه حزازة (3) فليجتنبه، فالإثم حزازة القلوب وحكاكات الصدور. ولكن هاهنا دقيقة 4

(1) قزعا: جمع قزعة، وهي القطعة أو الخصلة من الشعر.

(2) تضاهي: تشبه.

(3) حزازة: بغض.

(4) يريد ناحية دقيقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت