و بين الله - عز وجل - وإن كان الفقيه يفتي بسقوط المهر وصحة الإبراء؛ لأن الله تعالى قال: «فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا» ؛ وليس هذا طيبة النفس بل طيبة القلب. والفقيه لا يميز بين الأمرين، لأن شغفه بقطع الخصومات الظاهرة لا غير.
والحجامة وشرب الدواء البشيع لا تطيب به النفس بل يطيب به القلب، وكذلك كلّ ما يأباه الطبع ويريده العقل لمصلحة البدن في العاقبة. وهذا باب طويل، وأصله أن لا تستحلّ مال غيرك إلا برضاء مطلق صاف.
و ينبغي أن لا تأكل من السؤال، فإن سألت فاحذر أن تسأل على الملأ؛ فربما يعطى بالحياء، وذلك ليس مقرونا بالرضاء، فإن المستحي يؤثر ألم إزالة الملك على ألم الحياء. ولا فرق بين أن تأخذ ماله بضرب ظاهره بالسوط، وبين أن تأخذه بضرب باطنه بسوط الحياء، فالكل مصادرة. واحذر أيضا أن يعطيك بالدّين، وذلك بأن يعطيك لظنه أنك ورع تقيّ فتأكل بالدين؛ ويكون من شرط حلّه، أن لا يكون في باطنك ما لو اطلع عليه المعطي لامتنع من الإعطاء؛ فلا فرق بين من يأخذ بالتصوّف والتقوى، وليس هو متصفا به باطنا، وبين من يزعم أنه علوي ليعطى وهو كاذب. وكل ذلك حرام عند ذوي البصائر وإن أفتى الفقيه بالحل بناء على الظاهر.
الفن الثاني: أن تراجع قلبك، وإن أفتوك، فإن الإثم حزّاز القلوب، فالذي يضرك ما حاك في قلبك، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك» . وهذا السر طويل ذكره، ولكن اعلم على الجملة أن المحذور من الحرام إظلام القلب، والمطلوب من الحلال تنويره، وذلك يتشعب من اعتقادك لا من نفس المعتقد.
فمن وطئ امرأة على أنها أجنبية، فإذا هي منكوحته حصل إظلام القلب، ولو وطئ أجنبية على ظن أنها زوجته لم يحصل. وكذلك في النجاسات والطهارات المؤثّرة في تنوير القلب وهمك واعتقادك؛ فما أمرت بأن تصلي وثوبك طاهر، بل أن تصلي وأنت تعتقد أنه طاهر. فاستشعار الطهارة مؤثّر في إشراق القلب، وإن لم يكن على وفق الحال؛ ولذلك نقول: إن من صلى ثم تذكر أنه كان معه نجاسة، فليس عليه الإعادة على الأصح؛ لأنه صلى الله عليه وسلم خلع نعليه في أثناء صلاته لما أخبره جبريل - عليه السلام - بأن عليهما قذرا، واستمر فيها. ولذلك يشدد الأمر على الموسوس، فإنه ما لم يطمئن قلبه