فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 189

إدراك حقيقة الشهوة بوجودها له. وكذلك المرض يعرفه العامي الصحيح ويؤمن به، ويعرفه الطبيب الصحيح بالبرهان وهو علم، ومن لم يصر مريضا لم يحصل له الذوق.

فكذلك القول في الفناء في التوحيد؛ فالذوق مشاهدة، والعلم قياس، والإيمان قبول بحسن الظن مع الانفكاك عن التهمة. فاجتهد ان تصير من أهل المشاهدة، فليس الخبر كالمعاينة.

فإن قلت: لقد عظّمت أمر الذكر فهل هو أفضل أم قراءة القرآن؟ فاعلم أن قراءة القرآن أفضل للخلق كلّهم إلا للذاهب إلى الله عز وجل؛ وهو أفضل للذاهب إلى الله في جميع أحوال بدايته، وفي بعض أحواله في نهايته؛ فإن القرآن هو المشتمل على صنوف المعارف والأحوال والإرشاد إلى الطريق، فما دام العبد مفتقرا إلى تهذيب الأخلاق وتحصيل المعارف، فالقرآن أولى به، فإن جاوز ذلك واستولى الذكر على قلبه بحيث يرتجى له أن يفضي به ذلك إلى الاستغراق، فمداومة الذكر أولى به، فإن القرآن يجاذب خاطره، ويسرح به في رياض الجنة، والمريد الذاهب إلى الله تعالى، لا ينبغي أن يلتفت إلى الجنة ورياضها، بل ينبغي أن يجعل همه همّا واحدا، وذكره ذكرا واحدا، حتى يدرك درجة الفناء والاستغراق، فلذلك قال الله عز وجل: {وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ} [العنكبوت:45] ، وكذلك من ينتهي إلى درجة الاستغراق ولا يدوم ولا يثبت عليه، فإذا ردّ الى نفسه فقد تنفعه تلاوة القرآن؛ وهذه حالة نادرة عزيزة، كالكبريت الأحمر، يتحدث به ولا يوجد. فتكون تلاوة القرآن أفضل مطلقا؛ لأنه أفضل في كل حال، إلا في حال من شغله المتكلم عن الكلام، إذ لباب القرآن معرفة المتكلم بالقرآن، ومعرفة جماله والاستغراق به، والقرآن سائق إليه وهاد نحوه، ومن أشرف على المقصد لم يلتفت الى الطريق.

فإن قلت: فأيّ الأذكار أفضل؟ فاعلم أن الأفضل - كما ذكرناه - استيلاء المذكور على القلب؛ وهو شيء واحد لا كثرة فيه، حتى يختار أفضله، وذلك عين الجمع والتوحيد، وإنما التفرقة والكثرة قبل ذلك، فذلك ما دمت في مقام الذكر باللسان والقلب، وعند هذا قد ينقسم الذكر إلى الأفضل وغير الأفضل، وفضله بحسب الصفات التي يعبّر عنها بالأذكار.

والصفات والأسماء الواردة في حق الله سبحانه، تنقسم إلى ما هو حقيقة في حق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت