فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 189

التوحيد. وكذلك القول في المعرفة، فمن طلب المعرفة للمعرفة فقد قال بالثاني، ومن وجدها، كمثل أن لا يجدها بل يجد المعروف بها، فهو الذي استمكن من حقيقة الوصال، وحل بحبوحة حظيرة القدس، فإن قلت: فلم اختصت هذه المكاشفات بحال الفناء؟ فاعلم أن هذه قصة يطول فيها نظر الناظر، وذلك إذا تأملت لم تقصّر عن أن تدرك كون الحواس وعوارض النفس وشهواتها، جاذبة إلى هذا العالم المحسوس، وهو عالم الزور والغرور، ولذلك يكشف صريح الحق بالموت، لبطلان سلطان الحواس والخيالات المولية بوجه القلب إلى عالم السفل؛ فإن قصّر عنك سلطان الحواس بالنوم، طولعت بشيء من الغيب على قدر استعدادك وقبولك وهمّتك، ولكن بمثال يحتاج إلى التعبير. وما عندي أنك لم تصادف من نفسك رؤيا صادقة اطّلعت بها على أمر مستقبل، لكن الخيال لا يفتر في النوم وإن ركدت الحواس؛ فلذلك يضعف الاطلاع ولا يخلو من شوب المثال.

وأما الفناء، فعبارة عن حالة تركد فيها الحواس ولا تشتغل، ويسكن فيها الخيال ولا يشوّش؛ فإن بقيت في الخيال بقية مغلوبة، لم يؤثر إلا في محاكاة ما يتجلى من عالم القدس، حتى يتمثل الأنبياء والملائكة والأرواح المقدسة في قوالب الخيال.

فهذه أمور نبهت عليها لتكون متشوقا إلى أن تصير من أهل الذوق لها، فإن لم تكن، فمن أهل العلم بها، فإن لم تكن، فمن أهل الإيمان بها، و {يَرْفَعِ اللهُ الَّذِيْنَ آمَنُوْا مِنْكُمْ وَالَّذِيْنَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة:11] . وإياك أن تكون من المنكرين لها، فتلقى العذاب الشديد، إذا كوشفت بالحق عند سكرات الموت الذي كنت منه تحيد، وقيل لك: {لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيْدٌ} [ق:22] .

واعلم أن الإيمان والعلم والذوق ثلاث درجات متباعدة، فإن العنّين (1) مثلا يتصور أن يصدق بوجود شهوة الوقاع لغيره، بأن يقبل ذلك ممن يحسن ظنه به ولا يتهمه بالكذب، وذلك إيمان، ويتصور أن يعلم بالبرهان وجوده لغيره، وهو علم؛ ومأخذه قياس أن ينظر إلى شهوته للطعام مثلا، فيقيس بها شهوة الوقاع، وكل ذلك بعيد عن

(1) العنين: من لا يأتي النساء عجزا أو كرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت