تعالى: {وَللهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} [الرعد:15] . وسجود عالم الأمر طوع لله، وسجود الظلال كره، وتحته سرّ بل أسرار، تحرك أوائلها سلسلة المجانين الحمقى، فضلا عن أواخرها؛ فلنتجاوزها، فقد أفهمناك ما أرادوه بالفناء. فدع عنك الغيبة والتكذيب بما لم تحط بعلمه كما قال تعالى: {بَلْ كَذَّبُوْا بِمَا لَمْ يُحِيْطُوْا بِعِلْمِهِ} [يونس:39] ، وقال تعالى: {وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوْا بِهِ فَسَيَقُوْلُوْنَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيْمٌ} [الأحقاف:11] .
فإذا فهم الفناء في المذكور فاعلم أنه أول الطريق، وهو الذهاب إلى الله عز وجل، وإنما الهدى بعده؛ أعني بالهدى هدى الله، كما قال الخليل - صلوات الله عليه - {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّيْ سَيَهْدِيْنِ} [الصافات:99] . فأول الأمر ذهاب إلى الله، ثم ذهاب في الله، وذلك هو الفناء والاستغراق به. ولكن هذا الاستغراق أولا يكون كبرق خاطف قلّ ما يثبت ويدوم. فإن دام ذلك صارت عادة راسخة وهيئة ثابتة، عرج به إلى العالم الأعلى وطالع الوجود الحقيقي الأصفى، وانطبع له نقش الملكوت، وتجلى له قدس اللاهوت، وأول ما يتمثل له من ذلك العالم: جواهر الملائكة وأرواح الأنبياء والأولياء في صورة جميلة، يفيض إليه بواسطتها بعض الحقائق - وذلك في البداية إلى أن تعلو درجته عن المثال، فيكافح بصريح الحق في كل شيء، فإذا رد إلى هذا العالم المجازي الذي هو كالظلال، نظر إلى الخلق نظر مترحّم عليهم، لحرمانهم من مطالعة جمال حظيرة القدس، وتعجب منهم في قناعتهم بالظلال، وانخداعهم بعالم الغرور وعالم الخيال، فيكون معهم حاضرا بشخصه، غائبا بقلبه، متعجبا هو من حضورهم، ويتعجبون هم من غيبته. فهذه ثمرة لباب الذكر، وإنما مبدؤها ذكر اللسان، ثم ذكر القلب تكلّفا، ثم ذكر القلب طبعا، ثم استيلاء المذكور وانمحاء الذكر، وهذا سرّ قوله صلى الله عليه وسلم: «من أحبّ أن يرتفع في رياض الجنة فليكثر ذكر الله عز وجل» ، بل سرّ قوله: «يفضل الذّكر الخفي على الذكر الذي تسمعه الحفظة سبعين ضعفا» .
واعلم أن كل ذكر يشعر به قلبك، تسمعه الحفظة، فإن شعورهم يقارن شعورك، وفيه سر، حتى إذا غاب ذكرك عن شعورك بذهابك في المذكور بالكلية، فيغيب ذكرك عن شعور الحفظة. وما دام القلب يشعر بالذكر، ويلتفت إليه، فهو معرض عن الله عز وجل، وغير منفكّ عن شرك خفيّ حتى يصير مستغرقا بالواحد الحقّ؛ فذلك هو