اللّباب المطلوب؛ وذلك بأن لا يلتفت إلى الذكر ولا إلى القلب، بل يستغرق المذكور جملته؛ ومهما ظهر له في أثناء ذلك التفات إلى الذكر، فذلك حجاب شاغل. وهذه الحالة التي يعبر عنها العارفون بالفناء، وذلك بأن يفنى عن نفسه حتى لا يحس بشيء من ظواهر جوارحه، ولا من الأشياء الخارجة عنه، ولا من العوارض الباطنة فيه، بل يغيب عن جميع ذلك ويغيب عنه جميع ذلك، ذاهبا إلى ربه أولا، ثم ذاهبا فيه آخرا، وإن خطر له في أثناء ذلك أنه فني عن نفسه بالكلية فذلك شوب (1) وكدورة؛ بل الكمال في أن يفنى عن نفسه ويفنى عن الفناء أيضا، فإن الفناء عن الفناء غاية الفناء، وهذا قد يظنه الفقيه الرسمي، أنه طامّات (2) غير معقولة، وليس كذلك، بل هذه الحالة لهم - بالإضافة إلى محبوبهم - كحالتك في أكثر الأحوال بالإضافة إلى محبوبك من جاه أو مال أو معشوق، فإنك قد تصير مستغرقا لشدة الغضب بالفكر في عدوك، ولشدة التفكر في معشوقك، حتى لا يكون فيك متسع لشيء أصلا، فتخاطب فلا تفهم، ويجتاز بين يديك غيرك فلا تراه وعيناك مفتوحتان، ويتكلم عندك فلا تسمع وما بأذنيك صمم، وأنت في هذا الاستغراق غافل عن كل شيء وعن الاستغراق أيضا، فإن الملتفت إلى الاستغراق معرض عن المستغرق به. وإنما سمّوا هذه الحالة فناء، وإن كان الشخص والظل باقيين، لأن الأشخاص والأظلال بل سائر المحسوسات ليس لها حقيقة الوجود، بل الوجود الحقيقي لعالم الأمر والملكوت، والقلب من عالم الأمر؛ قال الله تعالى: {قُلِ الرُّوْحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّيْ} [الإسراء:85] . والقوالب من عالم الخلق، وأعني بالقلب (3) اللطيفة الذاكرة العارفة التي هي مهبط الأنوار الإلهية دون القلب الظاهر، فإن ذلك من عوالم الخلق، فلا يفهم من هذا إشارة إلى قدم الروح وحدوث القالب بل هما جميعا حادثان. وإنما أعني بالخلق ما تقع عليه المساحة والتقدير، وهي الأجسام وصفاتها. وأعني بعالم الأمر ما لا يتطرق إليه التقدير. والعالم الجسماني ليس له وجود حقيقي، بل هو من ذلك العالم كالظل من الأجسام، وليس لظل الإنسان حقيقة الإنسان، وليس للشخص حقيقة الوجود، بل هو ظل الحقيقة، والكل من صنع الله تعالى. قال الله
(1) الشوب: الخلط.
(2) طامات: جمع طامة، وهي الداهية التي ليس بعدها داهية.
(3) كذا بالأصل ولعلها، «و أعني بالقلب الروح اللطيفة ... الخ» .