فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 189

عليه السلام - لما أطاق سماعه مجردا عن كسوة الحروف والأصوات، كما لم يطق الجبل مبادئ تجليه حتى صار دكّا دكّا.

الثاني: أن تقرأ بتدبر معانيه إن كنت من أهله، وكل ما يجري لسانك به في غفلة فأعده، ولا تعده من عملك لأن الترتيل في الظاهر للتمكن من التدبر. قال علي - عليه السلام: «لا خير في عبادة لا فقه فيها، ولا في قراءة لا تدبّر فيها. وإياك أن تصير مشغوفا بعدد الختمات على نفسك فلأن تردد آية واحدة ليلة تتدبّرها خير لك من ختمتين، فقد قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيْمِ» فرددها عشرين مرة». وقال أبو الدرداء - رضي الله عنه: «قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا ليلة، فقام بآية يردّدها: {إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ} وقام تميم الداري ليلة بقوله سبحانه: {أَمْ حَسِبَ الَّذِيْنَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ} ... الآية، وقام سعيد بن جبير ليلة بقوله: {وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُوْنَ} » . ولعل الأليق بك ما قاله بعض العارفين إذ قال: «لي في كل جمعة ختمة، ولي في كل شهر ختمة، وفي كل سنة ختمة، ولي ختمة منذ ثلاثين سنة، ما فرغت منها بعد» . وذلك بحسب درجات التدبر، فإن القلب في بعض الأوقات لا يحتمل التدبر الطويل، فليكن للتدبر الطويل ختمة خاصة.

الثالث: أن تجتني في تدبرك ثمار المعرفة من أغصانها، وتقتبسها من أوطانها، ولا تطلب الترياق من حيث تطلب منه الجواهر، ولا الجواهر من حيث يطلب منه المسك والعود، فإن لكل ثمرة غصنا، ولكل جوهر معدنا، وإنما يتيسر لك هذا بأن تعرف الأصناف العشرة التي حصرنا فيها أقسام القرآن، وهي عشرة معادن: فما يتعلق من القرآن بالله تعالى وبصفاته وأفعاله، فاقتبس منه معرفة الجلال والعظمة، وما يتعلق بالإرشاد إلى الصراط المستقيم فاقتبس منه معرفة الرحمة والعطف والحكمة، وما يتعلق بإهلاك الأعداء فاقتبس منه معرفة العزّة والاستغناء والقهر والتجبر، وما يتعلق بأحوال الأنبياء، فاقتبس منه معرفة اللطف والنعمة والفضل والكرم، وكذلك في كل صنف ما يليق به. فلا تنظرنّ إليه بعين واحدة، وشرح ذلك يطول.

الرابع: أن تتخلى عن موانع الفهم وهي الأكنّة (1) التي تمنع من الفهم. قال الله عز

(1) أكنة: أغطية أو ستائر، وهي الحجب التي تحجب الأشياء وتحول دون رؤيتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت