وجلّ: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوْبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوْهُ وَفِيْ آذَانِهِمْ وَقْرًا ... } [الأنعام:25، الإسراء:46] الآية. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو لا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء» .
واعلم أن معاني القرآن من جملة الملكوت، وإنما حروفها من عالم الشهادة، والأكنة التي يبتلى بها المتقي المتعطش إلى الحقّ نوعان: إما ما ابتلي به ضعيف الإيمان من حجاب الشك والجحود، وإما ما ابتلي به المنهمك في الدنيا من حجاب الشهوات المستغرقة للقلب. فذلك جليّ لا يخفى كونه مانعا من فهم لطائف القرآن واقتباس أنواره، فبها حجب أكثر الخلق. وأما العباد المتجرّدون لطريق الله عزّ وجل، فيحجبون بنوعين آخرين، أحدهما: الوسواس الصارف للقلب إلى التفكر في النية كيف كانت في الابتداء هل بقيت الآن، وهل هو مخلص في الحال؟ هذا إن كان في الصلاة؛ أو الوسواس الصارف للهمّ إلى تصحيح مخارج الحروف والتشكك فيها وإعادتها لأجل ذلك، وهذا يجري في الصلاة وغيرها، فكيف يطالع أسرار الملكوت قلب محجوب مصروف إلى مطالعة الشفتين وكيفية انطباقهما، واللسان والحنك وكيفية انسلال الهواء من اصطكاكهما؟ وهو معنى تقطيع الحروف وتصحيحها.
النوع الثاني: التقليد لظواهر معاني القرآن والجمود عليها، وذلك حجاب عظيم عن الفهم، ولست أعني به التقليد الباطل، كتقليد المبتدع، بل التقليد الحق أيضا. فإن الحق الذي كلف الخلق اعتقاده له درجات، وله مبدأ ظاهر، وهو كالقشر والمثال وله غور باطن وهو كاللّباب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للقرآن ظاهرا وباطنا، وحدّا ومطلعا» . فالجامد على الظاهر الظانّ أنه ليس وراءه مرقى يرتقي إليه، كيف يتصور أن تنكشف له الأسرار، فقد كلف الخلق مثلا أن يعتقدوا أن الله تعالى يرى، ولكن للرؤية ظاهر وسرّ، فمن اعتقد أن رؤية الله تعالى مناسبة للرؤية التي يألفها الإنسان في هذا العالم، كيف يتصور أن يطّلع على سرّ قوله تعالى: {لَنْ تَرَانِيْ} وكيف يفهم أن ذلك ممتنع في هذه الحياة الدنيا بهذه العين الموقوفة على ملاحظة الجهات والأقطار، وكيف يدرك قوله: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام:103] ، مع قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22،23] . ويكفيك هذا المثال الواحد، فلسنا نكشف لك أكثر من هذا، ولسنا نقصد في هذا الأصل إلا التلويحات لمبادئ الأسرار تشويقا للمستعدين لها.