فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 189

تعالى سر في إرادته بنصرة الإسلام، فينصره بخطرة واحدة وهو خاطر رعب يلقيه في قلب كافر فينهزم، وينظر إليه غيره فينهزم وتعم الهزيمة، فينظر خالد ومن هو في مثل حاله أنه علا كلمة الإسلام بصرامته وحدة سيفه، ويطلع عمر - رضي الله عنه - ومن هو في مثل حاله من الصّديقين والأولياء على حقيقة الحال، ويعلم حاجة خالد إلى الاستغفار، وأن يسبح بحمد ربه إذا رأى ذلك كما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإذا لا موجب للمحبة إلا أمران: أحدهما الإحسان والآخر غاية الجلال والجمال بكمال الجود والحكمة والعلو والقدرة والتقديس من العيب والنقص. ولا إحسان إلا منه، ولا جلال ولا جمال ولا قدس إلا له. فكل ما في العالم من حسن وإحسان فهو حسنة من حسنات جوده، يسوقها إلى عباده بخطرة واحدة يخلقها في قلب المحسن. فكل ما في العالم من صور مليحة، وهيئة جميلة يدرك بعين أو سمع أو شم، فأثر من آثار قدرته، وهي بعض معاني جماله. فليت شعري! لمن عرف بالمشاهدة المحققة والبرهان القاطع جميع هذا، كيف يتصور أن يلتفت إلى غير الله تعالى، أو يحب غير الله عز وجل؟

اعلم أن لذة العارف في الدنيا من مطالعة جمال الحضرة الربوبية، أعظم من كل لذة يتصور أن يكون في الدنيا سواها؛ وذلك لأن اللذة على قدر الشهوة، وقوة الشهوة على قدر الملاءمة والموافقة مع المشتهي. وكما أن أوفق الأشياء للأبدان الأغذية، فأوفق الأشياء للقلوب المعرفة، فالمعرفة غذاء القلب، وأعني بالقلب الروح الرباني الذي قال الله تعالى فيه: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء:85] ، وقال تعالى: {ونَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر:29، ص:72] فأضافه إلى نفسه. وهذا الروح لا يكون للبهائم ولمن هو في مثل حالها من الإنس، بل يختص به الأنبياء والأولياء؛ ولذلك قال تعالى: {وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ ولا الْإِيمانُ ولكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا} [الشورى:52] فالمعرفة أوفق الأشياء لهذه الروح، لأن الأوفق لكل شيء خاصيته؛ فالصوت الطيب لا يوافق البصر، لأنه ليس من خاصيته. وخاصية روح الإنساني معرفة الحقائق، وكلما كان المعلوم أشرف، كان العلم به ألذ؛ ولا أشرف من الله وملكوته ولا أجلّ منه، فمعرفته ومعرفة صفاته وذاته وعجائب ملكه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت