فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 189

مخلوقا خفتم ومخلوقا رجوتم. ومر بقوم آخرين كذلك، فقالوا: نعبده حبّا وتعظيما لجلاله، فقال: أنتم أولياء الله حقّا، ومعكم أمرت أن أقيم.

العارف لا يحب إلا الله تعالى، فإن أحبّ غيره فيحبه لله عز وجل، إذ قد يحبّ المحبّ عبد المحبوب وأقاربه وبلده وثيابه وضيعته وتصنيفه، وكل ما هو منه وإليه نسبته. وكل ما في الوجود صنع الله عز وجل وتصنيفه، وكل الخلق عباد الله تعالى؛ فإن أحبّ الرسول أحبّه لأنه رسول محبوبه وحبيبه. وإن أحب الصحابة فلأنهم محبوبو رسوله، ولأنهم محبوه وعبيده والمواظبون على طاعته. وإن أحب طعاما فلأنه يقوّي مركبه الذي به يصل إلى محبوبه، أعني البدن. وإن أحب الدنيا، فلأنها زاده إلى محبوبه. وإن أحب النظر إلى الأزهار والأنهار والأنوار والصور الجميلة، فلأنها صنعة محبوبه، وهي دلالات على جماله وجلاله، ومذكّرات لصفات المحامد التي هي المحبوبة في ذاتها. وإن أحبّ المحسن إليه والمعلم إياه علوم الدين، فيحبه لأنه واسطة بينه وبين محبوبه في إيصال علمه وحكمه إليه. ويعلم أنه الذي قيّضه لتعليمه وإرشاده، والإنفاق عليه من ماله، وأنه لو لا تسليط الدواعي إليه واضطراره بسلسلة البواعث والأغراض إلى إرشاده والإنفاق عليه لما فعله. وأعظم الخلق إحسانا علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولله المنّة والفضل بخلقه وبعثه، كما قال: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ} [الجمعة:2] . ولذلك قال الله تعالى: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، ولكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ} [القصص:56] . وتأمل سورة الفتح وقوله تعالى: {ورَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوّابًا} [النصر:2،3] . فقد أنزله منزلة النظارة وقال: إذا رأيت عباد الله يدخلون في دين الله فقل بحمد الله لا بحمدي، وهو معنى التسبيح بحمد ربه. فإن التفت قلبك إلى نفسك وسعيك فاستغفره ليتوب عليك.

واعلم أنه ليس لك من الأمر شيء. ومن هاهنا نظر عمر - رضي الله عنه - حيث وصل كتاب خالد بعد فتح مكة: «من خالد سيف الله المسلول على المشركين إلى أبي بكر أمير المؤمنين» . فقال: إن نصر الله المسلمين نظر خالد إلى نفسه ويسميها سيفا مسلولا على المشركين. ولو لاحظ الحق كما هو لعلم أن ليس ذلك بسيفه ولكن لله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت