فهرس الكتاب

الصفحة 152 من 189

النقص، فأيّ كمال لمن لا قوام له بنفسه، ولا يملك لنفسه موتا ولا حياة ولا رزقا ولا أجلا! وأيّ علم لمن يشكل عليه صفات باطنه في مرضه وصحته، بل لا يعلم جميع جوارحه الباطنة، وتفصيلها وحكمها بالتحقيق، فضلا عن ملكوت السموات والأرض! وانسب هذا إلى العلم الأزليّ المحيط بجميع الموجودات، ومعلومات لا نهاية لها إلى الذي لا يعزب عنه مثقال ذرّة في السموات ولا في الأرض، وإلى قدرة خالق السموات والأرض الذي لا يخرج موجود عن قبضة قدرته في وجوده وبقائه وعدمه؛ وانسب نزاهته من العيوب إلى قدسه، لتعلم أنه لا قدس ولا قدرة ولا علم إلا للواحد الحق، وإنما لغيره القدرة التي أعطاه، {ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلّا بِما شاءَ} [البقرة:255] {وما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّا قَلِيلًا} [الإسراء:85] فانظر الآن هل يمكنك أن تنكر أن هذه الصفات والمحامد محبوبة، أو تنكر أن الموصوف بكمال الجلال هو الله تعالى؟ وانظر كيف تنكر حبه بعد ذلك!

إن قصّرت بصيرتك عن إدراك الجلال والكمال والميل إلى مطالعته والفرح به والعشق له، فلا تقصر عن الميل إلى المنعم المحسن إليك، ولا تكوننّ أقلّ من الكلب، فإنه يحب صاحبه الذي يحسن إليه. وتأمل هذا في العالم، هل لأحد إحسان إليك سوى الله تعالى؟ وهل لك حظ ولذة وتنعّم في شيء وحرص على نعمة إلا والله سبحانه خالقها ومبديها ومبقيها وخالق الشهوة إليها والتلذذ بها؟ وتفكر في أعضائك ولطف صنع الله تعالى بك فيها، لتحبه بإحسانه إليك، فتكون من عوام الخلق إن لم تقدر أن تحبه لجماله وجلاله وكماله، كما تحبه الملائكة لذلك، وامتثال قوله عليه السلام: «أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه وأحبوني لحبّ الله» . وعند هذا تكون كالعبد السوء، يحب ويعمل للأجرة والنفقة، فلا جرم يزيد حبّك وينقص بزيادة الإحسان ونقصانه؛ وذلك ضعيف جدا؛ بل الكامل من يحب الله لجلاله وجماله ومحامد صفاته التي لا يتصور أن يشارك فيها. ولذلك أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام: «إن أودّ الأودّاء إليّ من عبدني بغير نوال، لكن ليعطي الربوبية حقها» . وفي الزبور: «من أظلم ممن عبدني لجنة أو نار، لو لم أخلق جنة ولا نارا، أَلم أكن أهلا أن أطاع؟» ومرّ عيسى - عليه السلام - بطائفة من العبّاد وقد تخلّوا للعبادة، وقالوا نخاف النار ونرجو الجنة، فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت