وملكوته ألذّ الأشياء عند القلب؛ لأن شهوة ذلك أشدّ الشهوات؛ ولذلك يخلق آخرا بعد سائر الشهوات. وكل شهوة تأخرت فهي أقوى مما قبلها؛ فأول ما يخلق شهوة الطعام، ثم يخلق له شهوة الوقاع، فيترك شهوة الطعام لأجله ويستحقر فيه. ثم يخلق له شهوة الرئاسة والجاه والغلبة، ويستحقر فيها شهوة المنكح والمطعم. ثم يخلق له شهوة المعرفة التي هي استيلاء على كلّ الموجودات، فيستحقر فيها الجاه والرئاسة؛ وهي آخر شهوات الدنيا وأقواها.
وكما أن الصبي ينكر شهوة الوقاع، ويتعجب ممن يتحمل مئونة النكاح لأجلها، فإذا بلغ شهوة الوقاع أكبّ عليها وأنكر الجاه والرئاسة ولم يبال بفواتها في قضاء شهوة الفرج؛ فكذلك المشعوف (1) بشهوة الجاه والرئاسة، ينكر لذة المعرفة، إذ لم يخلق فيه بعد شهوتها؛ وقد تنتهي شهوة شرهه للجاه إلى مرض قلبه، حتى لا يقبل شهوة معرفة الله عز وجل أصلا، كما يفسد مزاج المريض شهوته للغذاء حتى يموت. وقد ينعكس طبعه، فيشتهي الطين والأشياء المضرة المهلكة، وهي مقدّمات الموت. فكذلك مرض القلب، قد ينتهي إلى حد ينكر المعرفة ويبغضها، ويبغض أهلها والمقبلين عليها، ولا يدرك إلاّ لذة الرئاسة أو المطعم والمنكح. وذلك هو الميت الذي لا يقبل العلاج، وفي مثله قيل: {إِنّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وفِي آذانِهِمْ وَقْرًا، وإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا} [الكهف:57] وفيهم قيل: {أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وما يَشْعُرُونَ أَيّانَ يُبْعَثُونَ} [النحل:21] .
هذه المعرفة وإن عظمت لذتها، فلا نسبة لها إلى لذة النظر إلى وجه الله الكريم في الدار الآخرة. وذلك لا يتصور في الدنيا لسرّ لا يمكن الآن كشفه، ولا ينبغي أن تفهم من النظر ما يفهمه العوام والمتكلمون، فيحتاج في تقديره إلى جهة ومقابلة. فذلك من نظر من أقعده القصور في بحبوحة عالم الشهادة، حتى لم يجاوز المحسوسات التي هي مدركات البهائم. لكن ينبغي أن تفهم أن الحضرة الربوبية، تنطبع صورتها وترتيبها
(1) المشعوف: لغة في المشغوف.