يبدأ وإليه يعود. وذلك لأنك لا تعرف معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق آدم على صورته» ، ولا معنى قوله (1) تعالى: «خمرت طينة آدم بيدي» ، ولا معنى قوله تعالى: {عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ، كَلاّ إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى} [العلق:4،5،6] . فإنك لا تعلم قلما إلا من قصب، ولا يدا ولا أصابع إلا من لحوم وعظام، ولا صورة إلا للألوان والأشكال. فإن انكشف لك ذلك علمت أنك إذا رميت ما رميت، ولكن الله رمى، حيث سلط عليك دواعي جازمة، ومعرفة حاكمة على القطع، بأن نجاتك في الرمي مثلا. حتى انبعثت القدرة التي انفرد بخلقها خادمة للإرادة، والمعرفة خادمة بالتّسخير والاضطرار، علمت أنك مضطر إلى عين الاختيار، فتفعل إن شئت ذلك، وتشاء إذا شاء الله، شئت أم أبيت. وهذا الآن فيه سرّ يحرّك قاعدة الجبر والاختيار، ويوهم تناقض التوحيد وتكليف الشرع، وقد شرحناه في كتاب التوحيد والتوكل والشكر من كتب الإحياء. فاطلبه منه إن كنت من أهله.
لا يكفي الإيمان بتوحيد الفعل والذات في إثارة حالة التوكل حتى ينضاف إليه الإيمان بالرحمة والجود والحكمة، إذ به تحصل الثقة بالوكيل الحق، وهو أن يعتقد جزما أو ينكشف لك بالبصيرة أن الله تعالى لو خلق الخلائق كلهم على عقل أعقلهم بل على أكمل ما يتصور أن يكون عليه حال العقل، ثم زادهم أضعاف ذلك علما وحكمة، ثم كشف لهم عواقب الأمور وأطلعهم على أسرار الملكوت ولطائف الحكمة، ودقائق الخير والشر، ثم أمرهم أن يدبّروا الملك والملكوت، لما دبّروه بأحسن مما هو عليه، ولم يمكنهم أن يزيدوا عليه أو ينقصوا منه جناح بعوضة، ولم يستصوبوا البتة دفع مرض وعيب ونقص وفقر وضر وجهل وكفر، ولا أن يغيروا قسمة الله تعالى من رزق وأجل وقدرة وعجز وطاعة ومعصية، بل شاهدوا جميع ذلك عدلا محضا لا جور فيه، وحقّا صرفا لا نقص فيه، واستقامة تامة لا قصور فيها ولا تفاوت، بل كل ما يرون نقصا فيرتبط به كمال آخر أعظم منه، وما ظنّوه ضررا فتحته نفع أعظم منه، لا يتوصل إلى ذلك النفع إلا به. وعلموا قطعا أن الله تعالى حكيم جواد رحيم، لم يبخل على الخلق أصلا، ولم
(1) أي في الحديث القدسي.