يدّخر في إصلاحهم أمرا، وهذا الآن بحر آخر في المعرفة، يحرّك أمواجه سرّ القدر الذي منع من ذكره المكاشفون، وتحير فيه الأكثرون، ولا يعقله إلا العالمون، ولا يدرك تأويله إلا الرّاسخون. وأن حظ العوام، أن يعتقدوا أن كل ما يصيبهم لم يكن ليخطئهم، وما يخطئهم لم يكن ليصيبهم. وأن ذلك واجب الحصول بحكم المشيئة الأزلية، وأنه لا رادّ لحكمه، ولا معقّب لقضائه، بل كل صغير وكبير مستطر (1) ، وحصوله بقدر معلوم منتظر، {وما أَمْرُنا إِلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} [القمر:50] .
الركن الثاني: حال التوكل؛ ومعناه أن تكل أمرك إلى الله عز وجل، ويثق به قلبك، وتطمئن بالتفويض إليه نفسك، ولا تلتفت إلى غير الله أصلا؛ ويكون مثالك مثال من وكّل في خصومته في مجلس القاضي من علم أنه أشفق الناس عليه، وأقواهم في كشف الباطل، وأعرفهم به، وأحرصهم عليه، فإنه يكون ساكنا في بيته، مطمئن القلب غير متفكر في كل الخصومة، غير مستعين بآحاد الناس، لعلمه بأن وكيله حسبه وكافيه في غرضه، وأنه لا يقاومه غيره.
فمن تحققت معرفته بأن الرزق والأجل والخلق والأمر بيد الله تعالى، وهو منفرد به لا شريك له، وأن جوده وحكمته ورحمته لا نهاية لها ولا يوازيها رحمة غيره وجوده، واتّكل قلبه بالضرورة عليه، وانقطع نظره عن غيره؛ فإن لم ينقطع فلا يكون ذلك إلا لأحد أمرين:
أحدهما: ضعف اليقين بما ذكرناه؛ وضعف اليقين إنما يكون لتطرق شك إليه أو لعدم استيلائه على القلب. فإن الموت يقين لا شك فيه، ولكنه إذ لا يستولي على القلب فهو كشكّ لا يقين فيه.
الأمر الثاني: أن يكون القلب في الفطرة جبانا ضعيفا، فالجبن والجرأة فطرتان، والجبن يوجب كون النفس مطيعة لأوهام لا شكّ في بطلانها، حتى قد يخاف الإنسان أن يبيت مع الميت في فراش، أو في بيت، مع علمه بأن الله لا يحييه، وأن قدرته عليه كقدرته على أن يقلب في يده العصا حيّة، وهو لا يخاف ذلك. بل قد يشبه العسل
(1) مستطر: مكتوب.