الأسباب وكيفية تسلسلها وارتباط أول السلسلة بسبب الأسباب. وصاحب هذا المقام بعد في تفرقة لأنه يرى الأفعال وكثرتها وارتباطها بالفاعل. الرابعة: وهو لبّ اللب، أن لا يرى في الوجود إلا واحدا ويعلم أن الموجود بالحقيقة واحد، وإنما الكثرة فيه في حق من تفرق نظره كالذي يرى من الإنسان مثلا رجله، ثم يده، ثم وجهه، ثم رأسه، فيغلب عليه كثرته، فإن رأى الإنسان جملة واحدة لم يخطر بباله الآحاد، بل كان كمدرك الشيء الواحد. فكذلك الموحّد لا يفرق نظره بين السماء والأرض وسائر الموجودات، بل يرى الكلّ في حكم الشيء الواحد. وهذا له غور، ويستدعي كشفه تطويلا فاطلبه من كتاب التوحيد والشكر من كتب الإحياء لتقف على تلويحات منه. والفناء في التوحيد إنما يقع في هذا التوحيد؛ وذلك بأن يصير مستغرقا بالواحد الحق، حتى لا يلتفت قلبه إلى غيره ولا إلى نفسه، فإن نفسه - من حيث هي نفسه - غير الله، وإن لم يتحقق له معنى الغيرية بنظر آخر، واعتبار على وجه آخر.
حقيقة التوكل إنما يستدعي توحيد الفعل ولا يستدعي الفناء في توحيد الذات، بل المتوكل يجوز أن يرى الكثرة والأسباب والمسببات، ولكن ينبغي أن يشاهد ارتباط السلسلة بمسببها. وما عندي أن ذلك يخفى عليك فيما يدخل فيه اختيار الآدميين، فإنك إن رأيت المطر سببا في النبات، فتعلم أن المطر مسخّر بواسطة الغيم، والغيم مسخر بواسطة الريح وأبخرة الجبال، وكذلك الجبال جمادات مسخرة إلى أن ينتهي إلى الأول لا محالة. وإن كنت لا تعرف عدد الوسائط فلا يضرّك ذلك، وإنما الذي يخفى عليك أفعال الآدميين، فإنك تقول: من أطعمني طعاما فإنه يطعمني باختياره، إن شاء أعطى، وإن شاء منع، فكيف لا أراه فاعلا. وإنما مثلك في الالتفات إليه مثل النملة، ترى الخط على البياض يحصل من حركة القلم. فتضيف ذلك إلى القلم، إذ حدقتها الصغيرة الضعيفة لا تمد إلى الإصبع، ومنها إلى اليد، ومنها إلى القدرة المحركة لليد، ومنها إلى الإرادة التي القدرة مسخّرة لها، ومنها إلى المعرفة التي يتوقف انبعاث الإرادة وانجزامها عليها، ومنها إلى صاحب القدرة والعلم والإرادة. فكذلك أنت تضيف أفعال العباد إلى إرادتهم ومعرفتهم وقدرتهم، إذ ليس يمتد نظرك إلى القلم الذي تنسطر المعرفة به في ألواح القلوب، ومنه إلى الأصابع التي تنتهي إلى قلوب العباد، ومنها إلى اليد التي بها خمرت طينة آدم، ومنها إلى القدرة التي بها تتحرك اليد لتخمير الطينة، ومنها إلى القادر الذي منه