فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 132

المبحث الأول: دليل الإمكان وموقف ابن تيميّة منه:

ويقوم هذا الدليل على تقسيم الوجود الى ممكن وواجب. فماذا عنى الفلاسفة بالواجب والممكن؟ نحاول ان نفهم ذلك من شيخهم الرئيس ابن سينا.

يقول ابن سينا: ان كل موجود فلا بد ان يكون أحد احتمالين:

1.الواجب الوجود.

2.الممكن الوجود.

فالممكن: ما كان وجوده مستمدًا من غيره، فلا بد له من موجد يوجده، فالممكن يتردد بين الوجود والعدم، ولا يجوز ترجيح أحدهما إلا بمرجح، فالوجود والعدم في ذلك سيّان، أي ان ترجيح الوجود على العدم لا بد له من مرجح، وترجيح العدم على الوجود لابد له أيضًا من مرجح، وهذا المرجح ليس ممكنًا، لأنه لو توقف على ممكن غيره، لتوقف ذلك الممكن الآخر على غيره، ويلزم التسلسل الممنوع، بالتالي لا بد ان ينتهي الممكن في وجوده الى واجب الوجود، وهو ما يستمد وجوده من ذاته [1] .

لكن قد يعترض سائل فيقول: أين علاقة مفهوم الممكن بالقدم الزماني عند الفلاسفة؟

أقول: ان ابن سينا يقسم الممكن في حاجته الى الغير الى نوعين وهما:

1.ما كان غير مسبوق بالعدم وهو الواجب بغيره دائمًا.

2.ما كان مسبوقًا بالعدم وهو الواجب بغيره مؤقتًا وهو الحادث.

فنلاحظ من خلال تقسيم ابن سينا ان الممكن أعم من الحادث، وبالتالي فان علة احتياج العالم عند ابن سينا وغيره من الفلاسفة هي: الإمكان، وليس الحدوث كما هي عند المتكلمين. حيث يعتبر الفلاسفة الحدوث مرتبة لاحقة للوجود ومتأخرة عنه، وأما الإمكان فهو يشمل الحدوث، لان حاجة الممكن، منها ما هو دائم، ومنها ما هو مؤقت بالحادث. مع ملاحظة حاجة كليهما وأفتقارهما لواجب الوجود بذاته. وأعترض الفلاسفة على المتكلمين بسبب الاحتياج: انه لو كان الحدوث -أي الإيجاد بعد العدم - لكان تعلق هذا الحادث دائمًا، لان هذه الصفة حاصلة للمفعول المسبوق بالعدم في جميع أوقات وجوده، وليس فقط حال حدوثه،

(1) انظر ابن سينا، الحسين، (الإشارات) ، ج 3، ص 7 وما بعدها من النمط الرابع. ومن أسماء هذا الدليل: المؤثرية، والإبداع، والخلق والتكوين، وغيرها. انظر ابن تيميّة، أحمد، (درء التعارض) ، ج 1،ص 358.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت