يقال إن الإنسان ابن لبيئته، وهذا الكلام صحيح في رأيي، إذ ان البيئة تساهم بشكل مباشر في توجيه أولويات السلوكيات الانسانية، وبالتالي تحكم عليه بان يتأثر بها ويؤثر من خلالها. وكذلك فان الإمام ابن تيميّة عاش ظروفًا ساهمت بمجموعها في صياغة فكره وسلم أولوياته، ونستطيع ان نحصر هذه الظروف بنوعين:
أولهما: على المستوى السياسي.
ثانيهما: على المستوى الاجتماعي.
المطلب الأول: الظرف السياسي وأثره في فكر ابن تيميّة:-
من المعلوم أن الخلافة العباسية في بغداد كانت قد زالت على يد التتر عام 656 هـ، وبعد أن استولى هولاكو على بغداد وما والاها، توجه نحو دمشق وحلب، وعاث فيهما الفساد، ووصل غزة وأرسل رسالة لقطز [1] يهدده فيها. فلم يجزع منها وبادر إليه بجيش المسلمين، إذ أصبحت مصر درع المسلمين وحصنهم الأخير. والتقيا في عين جالوت، وقدر الله النصر لجنده وعباده، وذلك في عام 658 هـ.
أي بعد عامين من سقوط بغداد. فأرسل هولاكو جيشا آخر، إلا انه ارتد خائبا على يد القائد بيبرس ولحق المسلمون فلولهم ونكلوا بهم. وأعيد بناء الخلافة التي هدمت، وقلد عم الخليفة المستعصم الذي قتلة التتار ببغداد، وهو الأمير أبو القاسم أحمد بن أمير المؤمنين الظاهر بأمر الله في عام 659 هـ. ولقب بالمستنصر بالله. حيث رد الله الخطر عن الإسلام والمسلمين [2] .
ومع أن الخلافة كانت أمرًا رمزيًا إلا أن الإسلام قد أوى إلى بلد قوي رد العدو والخطر عن بيضة الإسلام.
وأما الفرنج الصليبيون، فقد كان خطرهم أسبق من المغول بحوالي قرن ونصف القرن، حيث كانت غاراتهم متوالية، فينتصرون مره وينهزمون أخرى. حتى طردوا نهائيا على يد ألاشرف خليل بن المنصور قلاوون عام 690 هـ. وهذا يعكس مدى عدم استقرار المنطقة سياسيا وعسكريا في عصر ابن تيميّة، مما أثر في فكر ابن تيميّة، حيث أخرج من بلده أولًا، وخاف منهم ثانيًا وجاهدهم في شبابه، بسيفه وبلسانه في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فيما يقترفون من معاص بحجة انهم أسلموا.
(1) هو سيف الدين التركي، بويع بالخلافة سنة 657 هـ وكان صالحًا محبوبًا من شعبه، انتصر في عين جالوت عام 658 هـ وفيها توفي مغدورًا من قبل بيبرس نائبه. أنظر ابن كثير، إسماعيل، (البداية والنهاية) ، ج 13، ص 238.
(2) انظر، المصدر السابق، ج 13، ص 238،240.