تمهيد:
ذكرت سابقا ان الفلاسفة هم الذين يقولون بقدم العالم وانه متأخر عن الله رتبة لا زمانا. هذا الإجمال بحاجة إلى بيان. فان الإمام الغزالي ذكر ان الفلاسفة انقسموا إلى ثلاثة أراء [1] :-
1 -القول بحدوثه. وهو رأي افلاطن
2 -القول بقدمه. وهو قول ابن سينا والفارابي أخذا عن افلوطين وهو قول جماهير الفلاسفة المتقدمين والمتأخرين [2] . وسنتعرف في هذا الفصل على آراء ابن سينا لأنه الشارح والموضح لمذهبهم.
3 -التوقف. وهو رأي جالينوس.
ولقد كان العلماء الإسلام مع الفلاسفة في هذا المسألة صولات وجولات ناقشوا فيها بعض أدلة الفلاسفة التي يرونها عمدة مذهبهم.
ويرى ابن تيميّة ان الفلاسفة أقاموا رأيهم على أربع حجج هي الفاعلية والغائية والمادية والصورية. وأما عمدتهم منها فهي الفاعلية، لذلك نجد ان ابن تيميّة يركز عليها بالذات. حيث ان باقي الحجج ترد إليها، واحتجوا بالصورية، ومعناها: قدم الحركة والزمان، والمادية: بوجوب قدم المادة، وان كل محدث مسبوق بالإمكان، فلا بد له من محل، فكل حادث مسبوق بمادة.
وأما الغائية: فهي صورة أخرى للفاعلية، حيث تقوم على دوام الفاعلية، وليس فيها حجة لهم على مذهبهم [3] . وسيأتي بيان موقف ابن تيميّة مفصلا في السطور اللاحقة ان شاء الله.
(1) انظر الغزالي، أبو حامد محمد، (تهافت الفلاسفة) ، ص 43.
(2) انظر، د. ابو ملحم، علي، مقدمة المحقق لكتاب (تهافت الفلاسفة) ، السابق، ص 25. حيث أخطأ في ضم الكندي إلى القائلين بقدم العالم. إذ انه تابع المتكلمين في حجة التناهي عمدة المتكلمين على حدوث العالم، وله رسالة في وحدانية الله وتناهي جرم العالم، والإبداع عنده ليس كابن سينا إذ انه الإيجاد من العدم، حتى عد في ذلك متكلما لا فيلسوفا.
(3) انظر، ابن تيميّة، أحمد، (مجموع الفتاوى) ، ج 6، ص 334.