حيث يقول الإمام الرازي في تقريره: الأجسام متناهية في المقدار وكل متناه فهو محدث، فالأجسام محدثه.
أما ابن تيميّة فانه يلتفت إلى المقدمة الثانية دون الأولى، حيث أقام الرازي بيانه على صحة المقدمتين، إلا ان ابن تيميّة يسلط الضوء على الثانية.
نلخص كلام الرازي في الثانية وهي: ان كل متناه فهو محدث: ان المتناهي في القدر يجوز كونه أزيد أو انقص، فاختصاصه بذلك المقدار دونهما انما هو عائد لمرجح مختار، وإلا فقد ترجح لا عن مرجح، وكل ما هو محتاج إلى الفاعل المختار فهو محدث فالجسم محدث [1] . فيعلق ابن تيميّة على ذلك: ولقائل ان يعترض على لزوم الترجيح بلا مرجح.
ويوضح ابن تيميّة: أي انه لا يلزم من عدم كون المرجح مختارًا الترجيح بلا مرجح، بل قد يكون أمرًا مستلزمًا للمقدار، فالمرجح أعم من كونه مختارًا أو غير مختار. فإذا قدر المرجح أمرًا مستلزمًا لذلك المقدار، إما أمر قائم به، أو أمر منفصل عنه حصل المرجح للمقدار [2] . فيكتفي ابن تيميّة في تعليقه على لزوم الترجيح بلا مرجح. فابن تيميّة في ذلك كأنه يريد ان يقول: ان قول الرازي يثير عدم الاطمئنان إلى قطعية البرهان، وهو ان الفلاسفة يرون التلازم بين العلة والمعلول، وهذا ما حاول الإمام الغزالي نفيه في قوله بالسببية ومضمونها: ان الله هو الفاعل الحقيقي في هذا العالم، وان ما نراه من حصول المعلول عند توفر العلة، انما هو من العادة فقط وليس لازمًا. فابن تيميّة يشير إلى عدم تسليم الفلاسفة لهذا الدليل وإمكان اعتراضه عندهم. دلالة على ضعف الدليل وعدم توريثه اليقين.
المطلب الثالث الدليل الثالث: وملخصه انه: لو كان الجسم أزليا لكان الجسم مختصا وحاصلا في حيز معين، وإذا كان كذلك لامتنع خروجه عن ذلك الحيز، وبالتالي منع حركته. وقد ثبتت حركته، فالقول بأزلية الجسم باطل [3] .
(1) انظر، الرازي، الفخر محمد، (الأربعين) ، ص 29./ وانظر أيضًا، ابن تيميّة، أحمد، (درء التعارض) ،ج 3،ص 3.
(2) انظر ابن تيميّة، أحمد، (درء التعارض) ، ج 3،ص 4.
(3) انظر الرازي، الفخر محمد، (الأربعين) ، ص 29.