أيضا في اعتماده على القرآن والسنة يقول ابن تيميّة:"ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه من غير تحريف في كتابه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل بل يؤمنون بأن الله سبحانه (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ولا يكيفون ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه لأنه سبحانه لا سمي له ولا كفوا له ولا ند له ولا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى فإنه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلا وأصدق حديثا من خلقه. ثم رسله صادقون مصدقون بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون ... فلا عدول لأهل السنة والجماعة عما جاء به المرسلون فإنه الصراط المستقيم [1] ."وهذا دليل على منهج ابن تيمية في الأخذ بالقرآن والسنة كما أنه يأخذ بالعقل في مجاله وهذا هو مبحثنا الثاني.
ونقصد بمجاله أي ما كان في دائرة إدراكه ومحيطه، فأما ما خرج عن إدراكه وإحاطته فلا يؤخذ بأحكامه فالعقل ميزان صحيح، لكنه يخطئ من يظن أنه بميزان الذهب يستطيع أن يزن الجبال. لذلك فان نتائج العقل إذا كانت في دائرته فهي صحيحة، وأحكامه مقبولة. وأما ما كان خارجا عن إدراكه فلا.
لذلك نجد أن مناهج المدارس الإسلامية مناهج مختلفة في حدود العقل. فالفلاسفة مثلا يأخذون أحكامهم بالعقل - وان الشرع مؤيد للعقل موضح له، وانه باستطاعة الإنسان بعقله أدراك حقائق الشرع دون الوحي. فالفيلسوف متحصل للمعرفة عن طريق الرياضات العقلية، فباستطاعة العقل الوصول إلى درجة النبوة بتأملاته. وهكذا يزعمون أن ما أثبته العقل فهو المأخوذ به، وان خالف ظاهر الشرع، لان الناس مستويات: فهناك أهل الظاهر: وهم عوام الناس، وهناك أهل الباطن: وهم أصحاب الرياضات العقلية [2] . لذلك رأينا محاولات للتوفيق بين المتعارض من الدين مع الفلسفة.
وأما علم الكلام فهو علم جاء في وظيفته الأولى حماية للعقائد الإيمانية، وذلك عن طريق تأييدها بالأدلة العقلية.
(1) ابن تيميّة، أحمد (العقيدة الواسطية) ، ص 20 - 31 من شرح الواسطية للهراس.
(2) انظر، ابن السيد البطليوسي، عبد الله، (الحدائق العالية) ، ص 54 وما بعدها.