إلا أن علم الكلام في بدايته وخاصة عند المعتزلة قد حكّم العقل أكثر من اللازم فأخذ بالحقائق العقلية [1] . - وقيد بها النصوص الشرعية، ورفضوا ظواهر الشريعة الواضحة الصريحة، وقيدوها بالقرائن العقلية التي رجحت عنهم. لذلك نجدهم كالفلاسفة في بعض مسائلهم مثل صفات الله، فنفوا الصفات نفيا لتكثر الذوات.
وأما الأشاعرة من علماء الكلام فقد توسطوا بين الأخذ بالعقل وظاهر الشرع، فما ثبت عندهم انه حقيقة عقلية قيدوا به الشرع، ولم يصلوا إلى ما وصل إليه المعتزلة من نفي الصفات، فأثبتوا جملة من الصفات. وأولوا الأخرى إليها.
وأما إمامنا ابن تيميّة فلم ينهج نهج غيره من علماء السابقين ذكرا، وإنما اعتبر العقل صالحا للاستشهاد به على ثبوت نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يعني انه شهد لصحة النبوة. أنه يقدم على مضامينها بحجة أنه شهد لها بالصحة، ومثاله، لو أن رجلا شهد لآخر بالصلاح وأفاد المشهود له بحقيقة ما، فأراد الشاهد مخالفته بحجة أنه السبب في التزكية، فهذا لا يقبل، حيث ان وظيفة العقل محددة، مؤقتة، ولا يقدح ذلك في صحة أحكامه، لكن إذا استخدمت في موطنها الصحيح وضمن حدودها. ففي صفات الله تعالى على سبيل المثال: فان العقل يثبت حجية القرآن، والقرآن وصف الله تعالى بصفات، فان العقل يقف مكانه في درك صفات الله تعالى، وأما إثباتها ونفيها، فإن الإمام ابن تيميّة انتهج في مسألة الصفات بالذات- لأنها أكثر المسائل طرحا- منهجا سلفيًا محضا. ونلخصه بالأمور التالية:-
1 -إثبات الوجود للذات والصفة مع نفي العلم بالكيف.
2 -إن القول بالصفات تابع للقول في الذات.
3 -الكتاب والسنة مصدر الإثبات والنفي.
4 -الأخذ بقياس الأولى في الإثبات والنفي، وهو طريق لإثبات الكمال الله، فما كان كمالا لغيره فهو أولى به، وما كان نقصا لغيره فهو أولى بالتنزه عنه.
5 -إن طريقة التنزيه يجب أن تؤخذ من السمع.
(1) في ظنهم انها كذلك وليست إلا ظنية محتملة.