أشرنا إلى ان الإمام ابن تيميّة قد ناقش الفريق القائل بالقدم، حيث خالفه في النتيجة والطريق، كذلك فانه خالف القائلين بالحدوث، من حيث طريق الوصول، مع اتفاقه في النتيجة. وقد كان الإمام ابن تيميّة قد فصّل في رده على القائلين في الحدوث بالذات مع الإمام ابن الخطيب الفخر الرازي، حيث عمد لمناقشة أدلته التي وصفها بأنها: أشمل ما كتبه ابن الخطيب في هذا البحث، حيث جاءت مفصلة في كتابه الأربعين، لذلك خصها الإمام ابن تيميّة بالمناقشة. ونحن عندما نناقش رأي الإمام الرازي إنما نناقش رأي ابن تيميّة للأشعرية والمتكلمين بشكل عام.
وكان الإمام الرازي قد سلك في إثبات حدوث العالم خمس حجج فأتى عليها بالتفصيل:
المطلب الأول الدليل الأول: في إثبات حدوث الأجسام:
لو كانت الأجسام أزلية، لكانت في الأزل: إما متحركة أو ساكنة، والقسمان باطلان وبالتالي بطلان القول بأزليتها بل إنها حادثة [1] .وحتى يستقيم استدلال الرازي فلا بد ان يبرهن على صحة مقدماته.
وكان الإمام الرازي قد برهن على دليله بإثبات ثلاث مقدمات:
أ. الحصر في الساكن والمتحرك بحجة، ان المتحيز لا بد ان يكون مختصا بحيز معين، بحيث تصح له الإشارة. إلا ان الإمام ابن تيميّة لم يلتفت إلى هذه المقدمة والتفت مباشرة إلى الثانية وهي: إثبات ان القول بكون الأجسام متحركة في الأزل محال. وقد عبر الإمام ابن تيميّة عن هذا المحال بأنه يستلزم حوادث لا أول لها. فكيف عالجها الإمام ابن تيميّة؟ هذا ما سنتعرف عليه الآن.
ب. المقدمة الثانية: ان كون الأجسام متحركة منذ الأزل محال.
وقد أقام الإمام الرازي على انتفاء أزلية الحركة ستة وجوه [2] وهي:
(1) انظر، الرازي، الفخر محمد، (الأربعين) ، ص 13./ انظر أيضًا، ابن تيميّة، أحمد، (درء التعارض) ،ج 2، ص 371. وكان الإمام ابن تيميّة يلخص النص باسلوبه ويعمد بالرد عليه، وكان يعرضها عرض الفاهم المدرك لمقصودها. وتجدر الإشارة إلى ان الإمام الرازي قد ذكر هذا الدليل في أكثر من كتاب له، مثل: المسائل الخمسون في أصول الدين، ومعالم أصول الدين، وغيرها./وانظر ايضا التفتازاني، سعد الدين مسعود، (شرح المقاصد) ،ج 3،ص 109.
(2) انظر، الرازي، الفخر محمد، (الأربعين) ، ص 14،15.