بسم الله الرحمن الرحيم
(موقف الإمام ابن تيميّة من قضية قدم العالم)
إذا ما أردنا ان نجمل الأفكار الواردة في هذا البحث، فإننا نستطيع القول: بان الناس قد اختلفوا في العالم إلى فريقين:
الأول: ينكرون الخالق ويقولون: ان العالم يستمد وجوده من ذاته وهؤلاء هم الدهريون.
والثاني: ان هذا العالم مخلوق لخالق، وانه محتاج إليه، ولا يتصور وجوده دون وجود الباري تعالى، وهو قول علماء الإسلام من المتكلمين والسلف وقول الفلاسفة من المسلمين كابن سينا والفارابي.
إلا انهم اختلفوا في صفة احتياج العالم لله. فالفلاسفة وبالذات ابن سينا والفارابي يرون: ان علة احتياج العالم لله هي الإمكان وليس الحدوث، والإمكان معناه انه محتاج لخالق، ولكن ذلك لا ينفي كونه واجبا في الوجود، فهو ممكن من جهة حاجته لله، وهو واجب بغيره من حيث قدمه زمانا، فالله متقدم على العالم رتبة لا زمانا، وهو كتقدم الشمس على نورها، وان لهذا العالم مادة خلقه الله منها، وهي ما يسمونه بالهيولى، وهذا القول هو مدار بحثنا في هذه الرسالة.
وأما الفريق الثاني وهم جمهور المسلمين من المتكلمين والسلف قالوا: ان حاجة العالم لله هي الحدوث، وان الله أبدع العالم بعد ان لم يكن، من غير ان يكون مسبوقا بمادة أو مدة. وقد انقسموا إلى فريقين:-
الأول: وهم المتكلمون قالوا: ان الله كان ولم يكن شيء معه، ولا شيء غيره، ثم خلق الخلق. وحتى لا يقولوا بدوام التأثير أو الفاعلية، افترضوا فترة بين كون الله وحده أزلًا، وبين خلقه الخلق، فأوجبوا تلك الفترة، خروجا من إلزام الفلاسفة إياهم، إذا قالوا بدوام التأثير - أي إمكان صدور الحوادث عن الله في أي وقت شاء، حتى قبل ذلك الموجود الأول من حيث الزم الفلاسفة أنفسهم من دوام التأثير قدم العالم، أي انه لا بداية لهذا العالم وبالتالي قدمه، فما ان يقدر العقل وقتًا إلا وقدر وقتًا أخر قبلة.
وأعترض الفلاسفة على حجة المتكلمين بحجتين هما:-
1 -الترجيح بلا مرجح. 2. منع التسلسل.