الثاني: وهو رأي ابن تيميّة وأهل الحديث: حيث يجيزون صدور الحوادث بغير بداية إلا ان الإمام ابن تيميّة لا َيلزَم لازم الفلاسفة بقدم العالم.
فابن تيميّة يجيز صدور حوادث لا أول لها، بحيث ان العقل لا يتصور وقتًا إلا وتصور وقتًا قبلة يتعلق بقدرة الله تعالى ومشيئته، ولا يقول بوجود مخلوق أول لا يجوز ان يكون قبله خلق كما يقول المتكلمون.
والمسألة في حقيقتها فرع عن مسألة الصفات، وبالذات في صفة الإرادة. فمن أجاز تأخر المراد عن الإرادة، قال بقول المتكلمين. ومن لم يجز تأخر المراد - العالم - عن الإرادة قال بقول ابن تيميّة.
وابن تيميّة في ذلك يقترب من قول الفلاسفة من حيث إثباته دوام الفاعلية، إلا ان الفلاسفة يوجبون صدور المعلول عن العلة. بينما يجعل ابن تيميّة ذلك من أحكام الممكن وليس الوجوب كما قال الفلاسفة. وأيضا ليس الامتناع كما قال المتكلمون حيث تصوروا أن الله لا يفعل شيئا ثم فعل. واعترض ابن تيميّة على المتكلمين انه: إذا توفرت القدرة وحصلت الإرادة فلا يجوز تأخر مرادها ومفعولها عنها. وإذا تأخر فان هذا يستلزم العجز، والله منزه عنه. وبالتالي يجوز صدور حوادث لا أول لها الذي منعه المتكلمون. ويقول ابن تيميّة: لو أن المتكلمين أجازوا ذلك لما اعترض عليهم الفلاسفة ولما كان لاعتراضهم وجه، وهذا الاعتراض - أي للفلاسفة - لا يرد على فهم ابن تيميّة.
وقد يقول قائل: ألا يلزم من القول بإمكان دوام الفاعلية إمكان القول بقدم العالم؟ في ذلك يجيب ابن تيميّة، حيث يفرق بين حكم النوع، وحكم أفراده. وحتى نفهم الفرق بينهما لا بد ان نفهم الخلاف الدائر عند من تكلم في صفات الأفعال لله تعالى. حيث اختلف القوم على رأيين:-
1 -القول بان الفعل هو المفعول، وعلى هذا الكلام يجوز أن يقال: أن العالم قديم باعتبار أن الفعل هو المفعول هذا إذا سلمنا دوام الفاعلية.
2 -ان الفعل غير المفعول، حيث إن الفعل قديم أو بمعنى آخر صفة الله الفعلية قديمة بقدم الله، لأنها أزلية بأزلية الله تعالى، وأما آثارها فهي حادثة. فما أن يقدر العقل زمانا تتعلق فيه الآثار بالصفة الفعلية إلا واستطاع أن يقدر قبلها وقتًا يصلح للتعلق.