عدم الحركة أولى من العكس. بل يقرر ان الحركة أمر وجودي، وأما كون ما يقابلها هو ضد ما ينافيها، أو عدمها عن محلها فهذا فيه نظر، وهو مورد تنازع العقلاء. فقد يكون عدم الشيء مستلزما لأمر وجودي، مثل الحياة، فان عدم حياة البدن مستلزم لأعراض وجودية [1] .
وفي الجملة، فان حجة الحركة والسكون حجة ضعيفة وهي فاسدة على أصول من يقول: بان الأعراض لا تبقى زمانين من هذه الجهة. حيث إذا لم يبق السكون [2] زمانين فانه يحدث شيئا بعد شيء، وحينئذ فكل جزء من أجزاء السكون ليس هو قديما بنفسه، كما قالوا في كل جزء من أجزاء الحركة: ليس هو قديما بنفسه. فيقال لهم: ان دليلكم على امتناع كون الأزلي ساكنا من جنس دليلكم على امتناع كونه متحركا وهو تناهي الحوادث.
فان قالوا: السكون وجودي، امتنع زواله لأنه أزلي، لان القديم إما واجب بنفسه أو من لوازم الواجب بنفسه.
قيل لهم: هذا مثل قولنا: عدم الفعل هو تركه، وترك الفعل هو أمر وجودي فإذا كان قديما امتنع عدمه.
فان قالوا: عدم الفعل ليس هو تركا وجوديا.
قلنا: عدم الحركة ليس سكونا وجوديا [3] .
ونلاحظ ان الإمام ابن تيميّة هدفه في هذه الاستشكالات بيان ضعف دليل الحركة والسكون.
إلا ان له رأيه في الحركة والسكون بحيث يقول: ان المتكلمين يستطيعون نظم دليلهم على طريقة أخرى، لكنها تستلزم التسلسل الذي يمنعونه. وهذه الطريقة مضمونها:
(1) انظر المصدر السابق، ج 2، ص 382،383.
(2) السكون على فرض كونه وجوديًا.
(3) انظر المصدر السابق، ج 2، ص 388،389.