ليس جعل السكون عبارة عن عدم الحركة أولى من العكس - أي من جنسها - فإما ان يكونا عدميين - أي ان العدم يرفع العدم. وهو باطل بالاتفاق، فتعين ان يكونا وجوديين [1] . ولقائل ان يعترض ان التضاد بين الحركة والسكون هو كالتضاد بين الحياة والموت، وخاصة إذا اتحد محلهما فان تعاقب الضدين على المحل الواحد لا يوصف بانهما من جنس واحد وان خلافهما عرضي [2] .
وابن تيميّة يقرر احتمال كون الضدين متضادين أو متلازمين، فكما ان عدم الشرط مستلزم لعدم المشروط، فعدم الأمور الواجب واحد منها ينافي عدمها كلها، فإذا كان الجنس لا يوجد إلا بوجود نوع له فصل، امتنع مع وجود الجنس عدم جميع الأنواع والفصول، فكان عدم بعضها ينافي عدمها كلها.
كقول القائل:- العدد اما شفع واما وتر فهذا مانع من الجمع فقط،
كقول القائل:- الجسم إما أسود وإما أبيض، وقد كان مانعا من الخلو فقط أو من الجمع، فيمتنع اجتماع العدمين فيه. فكما ان الشفعية تنافي الوترية فعدم الشفعية ينافي عدم الوترية، لا ثبوتها، فلا يحصل العدمان معا.
بل إذا ثبت أحد العدمين لم يثبت عدم الضد الثاني، وبالتالي فيكون العدم رافعًا للعدم، فهي تقوم على فكرة ان الضدين لا يجتمعان ولا يرتفعان. فإذا ثبت وجود أحدهما ثبت عدم الآخر، وإذا عدم أحدهما ثبت وجود الآخر [3] .
وبالجملة فابن تيميّة يقرر ان الحركة والسكون ان كانا وجوديين فهما عرضان، وان كان أحدهما وجوديا فأحدهما عرض والآخر عدم العرض. وعلى التقديرين: فليسا قائمين بأنفسهما، حيث لا يجوز تشبيههما بالأجسام كالأسود والأبيض بل بالأعراض كالسواد والبياض.
وبالتالي فيجب اختلاف حقيقتي السكون والحركة، وان قول القائل: إن الاختلاف خلاف عرضي ليس بمسلم له، فانه يعقل التضاد بينهما مع عدم خطور المسبوقية بالبال. ولا يسلم بقول المستدل حيث يقول: ليس جعل السكون عبارة عن
(1) انظر المصدر السابق، ج 2،ص 379./انظر، الرازي، الفخر محمد، (الأربعين) ، ص 16.
(2) انظر، ابن تيميّة، أحمد، (درء التعارض) ، ج 2، ص 380.
(3) انظر المصدر السابق، ج 2، ص 378.