فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 132

الوجه الثاني:-

لو كانت أدوار الفلك متعاقبة لا أول لها، فانه قبل كل حركة عدم، لا أول له. فتكون تلك العدمات مجتمعة، في الأزل وليس معها شئ من الوجودات، فلا بد ان يكون لمجموع الوجودات بداية وأول. وذلك ان الرازي ينظر إلى ان حكم الأفراد هو حكم المجموع، فإذا نظرنا إلى كل حركة على حدة، فانها مسبوقة بالعدم، إذن فكل الحركات مسبوقة بالعدم، أو ان مجموع الوجودات مسبوق بالعدم، فيلزم منه أن له أولا وبداية.

فما هو موقف الإمام ابن تيميّة؟

ان ابن تيميّة لا يسلّم للرازي إمكان اجتماع الاعدام في الأزل، وبالتالي فان الرازي يقول: عدم كل حادث ثابت في الأزل. فيعترض ابن تيميّة بقوله: لا نسلم ان عدم الجنس ثابت في الأزل، وليس الجنس حادثا حتى يكون مسبوقا بعدم الجنس، انما الحادث أفراده، كما هو في دوامه للابد، فانه ليس لعدم المجموع تحقق في الأزل، والعدم السابق لأفراد الحركات بمنزلة العدم اللاحق لها. فلا يقال ان مجموع الأعدام مجتمع في الأبد، والفرق بين عدم الفرد، وعدم المجموع واضح. وقد تقرر في سابق رأي ابن تيميّة انه يقصد بالجنس أو النوع، صفة الفعل لله تعالى، أي انه لا يلزم من كون أثار هذه الصفة مسبوقة بالعدم ان تكون الصفة كآثارها [1] .

الوجه الثالث:-

ان الحركات إما ان تكون قد حصل فيها شئ في الأزل أو لم يحصل. فان لم يحصل وجب ان يكون لمجموع هذه الحركات بداية، وهو المطلوب. فان حصل ولم تكن مسبوقة بالغير كانت تلك الحركة أول الحركات وهو المطلوب. فان كانت مسبوقة بغيرها لزم المحال في سبق الأزل بالغير. وهذا الوجه فرع عما قبله. فماذا يجيب الإمام ابن تيميّة؟

لقائل ان يقول: ليس شئ من الحركات الجزئية أزليا، بل كل واحدة منها حادثه، وانما القديم الحركة الكلية بتعاقب الأفراد الجزئية، وهذه الحركة الكلية ليست مسبوقة بغيرها وبالتالي فلا يلزم ان يكون لكل الحركات الجزئية أول. فان المستدل

(1) انظر التفتازاني، سعد الدين مسعود، (شرح المقاصد) ،ج 3،ص 110، حيث ضعّف هذا الدليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت